حسن الأمين
278
مستدركات أعيان الشيعة
معينة في ظاهر القرية يحفرون فيها الأرض بشكل دائري لتكون الحفرة مجمعا لماء المطر يسمى ( العين ) . ولما كان في كل قرية أكثر من عين واحدة لذلك كان لا بد من إطلاق اسم معين على كل عين . ولا يستفاد من ماء هذه العيون إلا خلال الشتاء ، وربما إلى أوائل الربيع ، حيث تفد إليها صبايا القرية وقد حملن الجرار على رؤوسهن فيردن العين ناقلات منها الماء بالجرار . ولا بد في كل عين من درج حجري تهبط الصبايا درجاته كلما هبط الماء . وهذه العيون عيون قديمة العهد لا يعرفها الناس إلا هكذا وربما عن لأحدهم أحيانا أن ينشئ عينا جديدة يطلق عليها اسمه وهذا قليل الحدوث . ثم هناك في كل قرية مجمع كبير للماء يطلق عليه اسم ( البركة ) تتدفق إليه سيول الشتاء فتملأه ليكون موردا لمواشي القرية وأبقارها وخيولها وحميرها ، ولري مزارع الدخان . ثم هو مكان غسل الأواني ، ومكان غسل الثياب . وإذا كان ماء العيون سائغ المنظر لأنه ينقل جديدا ، فان ماء البرك ماء تعاف منظره العيون وهو مملوء بما يتولد فيه لقذارته من أنواع حية تعيش فيه طوال العام . وإذا كان ماء العيون يسد بعض الحاجة خلال الشتاء ، فقد كان لا بد من سبيل لسد الحاجة كلها خلال بقية فصول السنة . لذلك عمدت معظم البيوت إلى إنشاء آبار فيها ففي كل بيت بئر تتجمع فيها مياه الأمطار خلال الشتاء ليكون مشربا لأهل ذاك البيت خلال السنة . وهكذا تظل الأمور سائرة والناس راضية . ولكن المحنة الكبرى حين يتأخر هطول المطر وتأخذ مياه الآبار بالنفاد ، ثم تنفد ! . فعند ذلك يفتش الناس عن الينابيع في القرى البعيدة فيقصدونها بدوابهم لينقلوا منها ما يسد بعض حاجاتهم ! . وحين تبدأ مياه أقرب الينابيع البعيدة بالتضاؤل ، لكثرة ما ينقل منها ، يقيم أهل القرية النواطير لمنع الغرباء من ارتياد العين . وعند ذلك يفتش العطاشى عن ينابيع أكثر بعدا ! . ففي شقرا مثلا كان الآهلون يبدأون بنقل الماء من ( عيون الخان ) الواقعة في سهل الخان تحت تبنين إلى شرقها والمملوكة لأهل تبنين . ثم يتقدمون إلى عين المزراب في غرب تبنين ، ثم ينتشرون بعد ذلك في كل مكان بحثا عن الماء ! . العيون منتزهات القرية عيون القرية المجموعة من ماء المطر هي في أيام الصحو منتزهات القرية ، فما هو أن ينبت العشب على حوافيها المدورة ويمتد حول تلك الحوافي على مساحات غير واسعة ، وما هو أن تخضر تلك الجوانب بما نبت عليها من العشب . ثم ما هو أن ينقطع المطر ويطول انقطاعه أياما ينشف فيها العشب وتجف الأرض حتى تصبح حوافي تلك العيون مقصد رواد الاستجمام ومنطلق هواة الاستمتاع بالهدوء والسكون . وأكثر ما تكون تلك العيون في مواقع طبيعية مشرفة على ما انحدر تحتها من سفوح أو ما انبسط أمامها من حقول ، مما يزيد من جاذبيتها للمتنزهين . وعيون شقرا المشهورة هي ثلاثة : ( عين الحمرا ، وعين الفوقا ، وعين التحتا ) . ووصفت الأولى بالحمراء لأنها تقع في أرض ترابها أحمر . أما الثانية والثالثة : فان الأولى وصفت ( بالفوقا ) لأنها أعلى من الثانية التي هي أسفل منها ، والتي يوصلها بها خط مستقيم يمر عبر الكروم والحقول يمتد من الفوقا إلى التحتا . ويختلف رواد هذه العيون والمتنزهون فيها : أما الوقورون فأكثر ما يقصدون ( عين الفوقا ) لأنها أبعد عن البلد ولا تقصد من الواردات إلا بعد أن تنضب أو تكاد ( عين التحتا ) فيبقى أهل الوقار فيها على وقارهم ، فلا تخدش هذا الوقار رؤية أسراب الصبايا متهاديات على طريق العين ثم واصلات إليها بجرارهن الجميلة المنبطحة على رؤوسهن فارغة في الورود ، والمستقيمة المتعالية مملوءة على تلك الرؤس في الصدور . ومن لا يبالون بالوقار ، أو من ليس شأنهم الوقار ، يقصدون أكثر ما يقصدون ( عين التحتا ) . وقد يتناول القادمون طعام الغداء إذا ذهبوا ظهرا أو قبل الظهر . وقد يتناولون الشاي إذا ذهبوا عصرا أو أصيلا ، وقد لا يتناولون لا هذا ولا ذاك ، بل يقتصرون على التحدث والتنادر وفي مجالس الوقار لا بد من الشاي ، ولا بد من منشد للشعر العربي الأصيل يرتله على الطريقة العاملية العراقية الأصيلة ترتيلا جميلا يكسب الشعر تأثيرا في النفوس ، ويثير فيها الاستمتاع بأطايب القول . وكان أعلى المنشدين صوتا وأنداهم ترتيلا وأعمرهم حنجرة ، في عهدنا هو السيد محمد حسين خلف ، الذي كان إذا انطلق في إنشاده الشعر يدوي صوته الدوي المعجب المثير . وكنا في تلك السن نتنازع ( العينين ) ( الفوقا والتحتا ) فإذا صحبنا أهل الوقار كنا على ( الفوقا ) وإذا انفردنا كنا على ( التحتا ) . على أن ( لعين الحمرا ) شانا آخر فهي أبعد العيون كلها عن القرية ، لذلك كان قلما يقصدها المتنزهون ، إذا كانوا كلهم من شقرا . ولكنها مكان مناسب لالتقاء متنزهين من أكثر من قرية تتوسط عين الحمرا المسافة بينها جميعا ، فيتواعدون على الالتقاء عليها . وهي الأخرى ملتقى أهل الوقار . . . ومن طرائف لقاءات هذه العين أنها كانت يوما مقصدا للسيد محمد محمود الأمين العالم الزاهد مع رفقة له ذبحوا عليها ديكا وكان غيرهم من أصحابه قد قصدوا متنزها آخر هو ( بركة المرج ) . وكانوا قد ذبحوا هناك لطعامهم عنزا ، فبلغهم ما جرى على ( عين الحمرا ) فأرسل شاعرهم السيد هاشم عباس إلى السيد محمد أبياتا منها : أم أين من ذا المرج عين أصبحت « حمراء » ذات قذى لها بجفون فكأنما القوم الأولى حجوا لها لم يانفوا من موضع التعفين وعهدتهم شم الأنوف وما أبوا نتنا أتى من مائها المحقون فأعجب لهم حلوا بسفح مضيقها يتقاسمون الديك بالسكين ما كان ديككم كعنز محمد يكفي مئين تتابعت بمئين وعلى ذكر السيد محمد محمود الأمين هذا أقول : أنه كان وجها أصيلا من وجوه هذا الجبل يجمع إلى الزهد حب الاستمتاع بجمال الطبيعة . وقد