حسن الأمين

279

مستدركات أعيان الشيعة

حمله ذلك على أن خص أرضا له تناوح ( عين الفوقا ) فسماها المنتزة وحفر فيها عينا ، فكانت ملتقى النخبة في الآصال الجميلة ، وعلى رأسهم هو بألمعيته وطيب مجلسه . وأحسب أن الذي دعاه إلى إيجاد العين هو الرغبة في البعد عن رؤية الواردات إلى العين بجرارهن ، مع حب الاستمتاع بالطبيعة . . . وبالفعل لم تكن عين المنتزة مقصدا للواردات ، بل كن يكتفين بالوصول إلى ( عين الفوقا ) غير البعيدة عن عين المنتزة . وفي يوم من أيام الربيع أرسل السيد محمد إلى والدي أبياتا يقول فيها : ما ترى الأرض أينعت بالأقاحي والأزاهير في جميع النواحي وبها العندليب يشدو بلحن مطرب للنفوس والأرواح فقد العزم واقتعده ذلولا - يا زعيم الكرام - سلس الجماح وتعجل فإننا في انتظار قبل تشويشها بلفح الرياح ولك الاختيار في أي أرض أنت تهواه يا حليف السماح وصحيح أنه جعل له الاختيار في المكان ، ولكن المكان كان معينا أما ( عين التحتا ) فهي خارجة من هذا الاختيار حتما ، وأما ( عين الحمرا ) فهي بعيدة لا بد في الوصول إليها من هبوط عقبة ثم صعود هذه العقبة في الرجوع . ( وعين الفوقا ) وعين المنتزة متجاورتان ، ولكن الثانية أخلى ، إذن فهي المعينة ، لذلك أجابه والدي بأبيات قال فيها : إنني للدعاء منك ملب وإلى ما طلبته ذو ارتياح وقد اخترت أرض ( منتزه ) النفس محلا لنزهة وانشراح الشتاء في القرية يقبل الشتاء على القرية حاملا الري والخصب وممهدا للرزق والعيش ، وما من شيء في القرية يعدل ذاك المطر المتساقط من السماء نعمة وراء نعمة . . . فالإنسان يترقبه ليطمئن أول ما يطمئن على أرواء الأوام ، ثم لينبت له الزرع ويحفظ الضرع لذلك عبروا عن المطر بالخير فإذا دعوا الله بان يبعث الخير فإنما يعنون بالخير المطر فإذا تأخر الخير عن موعده عمت الكآبة الوجوه وملأ الهم النفوس ، والتجأ الناس إلى الله يسألونه الرحمة بهم والإشفاق عليهم . والفلاحون يبدؤون الزراعة أول ما يبدؤون قبل إقبال المطر أملا بان يأتي بعد ذلك هاطلا بامواهه الريا . ويسمون الزراعة قبل المطر : الزراعة على ( عفير ) وهذه الزراعة المبكرة التي هي زراعة القمح ، هي أكثر الزراعة تأثرا بتأخر المطر ، وبتقدمه معا . فإذا جاء المطر مبكرا كانت مواسم ( العفير ) أكثر المواسم إقبالا وأعظمها إنتاجا . وإذا تأخر المطر كان نصيبها الادبار ، وأحيانا الاندثار . . ومن هنا كانت نوعا من المغامرة ، ولكنها مغامرة لا بد منها ولا غنى عنها . وهي نوع من التسليم للقضاء والقدر الذي يفعل ما يشاء . وتأخر المطر فيها نوعان : إما أن يتساقط مبكرا ولكن بكميات غير كافية ثم ينقطع هطوله أمدا طويلا فيوقع الفلاح بذلك في الكارثة . لأن المطر القليل المتساقط أول الأمر يكون كافيا لانبات حبات القمح بحيث تطل من تحت التراب خضراء زاهية ، ثم لا تجد ما ترتوي به فتموت فيضطر الفلاح لتجديد الزراعة بعد المطر وبعد خسران ماله وإتعابه . والنوع الثاني أخف ضررا وأقل خطرا ، وذلك بان تخضر الأرض بزروعها ، ثم يتأخر هطول المطر تأخرا لا تكون معه الزروع ماتت ولكن ضعفت ، فإذا جاء المطر قبل الموت عادت تستأنف الحياة ولكن ضعيفة كليلة ، وكان نتاجها بالتالي ضعيفا ممحلا . . . أما النعمة الكبرى ، فهي أن يهطل المطر مبكرا وابلا ثجاجا متتابعا لأكثر من يوم وليلة ، فيحصل بذلك ما يدعونه ( الرية ) فيقولون : ( أروت الدنيا ) ويطمئنون عند ذلك لموسم ( العفير ) . ( وللرية ) عند الفلاحين حدود يعرفونها هم ، ولا أعلم أنا عن تفاصيلها أكثر من اسمها . ويوم ( الرية ) يصبح تاريخا للسنة ، تؤرخ به أحداثها ، فيقال : تزوج فلان بعد ( الرية ) بشهرين مثلا ، وتوفي فلان بعدها بشهور ، إلى غير ذلك من التواريخ المتصلة بشؤون القرية وأهلها . وكذلك يقولون : مثلا : تأخرت ( رية ) هذه السنة عن ( رية ) السنة الماضية أو تقدمت عليها . وعند ما يوغل فصل الشتاء في التقدم توغل السماء بالمطر الغزير مما قد يظل متواصلا أياما متتابعة وربما أسابيع ، تواصلا لا يضعف ولا يهي ، بل يظل على قوته وعنفه مصحوبا بالرياح والرعود والبروق ويسمى عند ذلك ( العيانة ) ، فيقال : استمرت ( العيانة ) كذا يوما أو كذا أسبوعا . وكثيرا ما منعت ( العيانة ) الناس من الخروج من بيوتهم وحرمتهم من التواصل والتزاور فيقول في ذلك الشاعر ابن شقرا : منعتنا عن الوصال جوار نشرت فرعها على الآفاق لابسات سود البرود حدادا يوم جد المصيف بالانطلاق مرسلات ودقا إثر ودق من جفون مغرورقات المآقي أو يقول : بين جزر من البروق ومد هدرت في السما شقاشق رعد وغوادي السحاب وهي ثقال طوت الأفق بين نص ووخد ربما يسرع المروع اختشاء وهو في حالتي عناء وجهد فارتوى عاطش وأينع روض وازدهى في ردائه المستجد قد قعدنا عن الوصال اضطرارا رب بعد يكون عن غير عمد وأيام ( العيانات ) أيام مشهودة في القرية فعند ما تتلبد السماء بالغيوم وتنذر بهطول المطر ثم يبدأ يتساقط ، يحاذر الناس ، أول ما يحاذرون من تساقط الدلف داخل البيوت لذلك يهرعون جميعا إلى أسطحة المنازل حيث يعالجونها ( بالحديلة ) ، ذلك أن الأسطحة هي من تراب ، وهذا التراب يتسقق بالجفاف فإذا هطل المطر تخلل الماء الشقوق ، وبدأت نقاط منه تهبط إلى [ داحل ] داخل الغرف . والحديلة تكون بالمحدلة وهي حجر أسطواني الشكل منقور من طرفيه بمقدار ما يدخل فيه طرفا ( الماعوص ) . و ( الماعوص ) عودان من خشب متصلان برأسهما ومنفرجان بعد ذلك بحيث يشكلان زاوية