حسن الأمين
277
مستدركات أعيان الشيعة
فيقوم ويجول ويقعد فيستيقظ الرعاة ويدور التلاسن بين الرعاة والنسوة وتقوم المشاجرة ويعلو الصياح ! . هذا الذي ذكرته عن « العجال » إنما يكون كذلك خلال الصيف وربما بعض الخريف . أما حين يبدأ الجو بالاكفهرار وتبدأ نذر المطر ، فلامكان « للعجال » في الصيرة ، ولا سير له مجتمعا في أزقة القرية . إذ أن ( الصيرة ) دائما مكشوفة كما أن مراقد الرعاة فيها مكسوة بالأغصان اليابسة وحدها . لذلك فان مكان تجمع ( العجال ) في الشتاء هو في أعلى المقبرة الشرقية قرب زيتونة الفرسي العادية العمر ، حيث يبكر الرعاة بالوقوف في العراء منتظرين إقبال الناس بابقارهم فيسوق كل إنسان أو إنسانة بقرته إلى موقف الرعاة حيث تتجمع الأبقار كلها ، ثم يسوقها الرعاة إلى المراعي . وفي المساء يعودون بها حتى مداخل البلدة وهناك يتخلون عنها فتنطلق كل بقرة إلى بيت صاحبها وهذا كله في أناثي البقر . أما الذكران فمأواها البيت صيفا شتاء لأنها في الشتاء تعد للحراثة عليها فتعلف ليلا بالكرسنة والباقية فضلا عن التبن ، ثم تساق في الصباح إلى الحقل للحراثة . وفي الصيف تعد ( لتدرس ) عليها أكوام الزرع اليابس . والمكان الذي تبيت فيه الأبقار في البيوت شتاء هو نفس الغرف الواسعة التي يبيت فيها أهل البيت ، ويتميز مكان أهل البيت بأنه يرتفع قليلا عن مستوى الأرض ، ويترك المنخفض للأبقار وغيرها من الدواب . وهكذا يتعايش الإنسان والحيوان ، أو بالأحرى الفلاح والحيوان في القرى في غرفة واحدة وبيت واحد . ويعلل الفلاحون أنفسهم بان هذه المشاركة من بواعث الدفء في الغرفة الواسعة التي تضم العائلة كلها مع حيواناتها ! . ويا له من دفء بائس تبعثه أنفاس الأبقار ! . المعزى والغنم وفي المساء أيضا تعود قطعان الماعز والغنم مع رعاتها ، ولكن عودتها لا تشبه عودة قطيع البقر . فبقر القرية كله يجتمع في ( عجال ) واحد ويذهب كله معا ويعود كله معا . . أما الماعز والغنم فقطعان متعددة يكون كل قطيع مملوكا لمالك واحد يشاركه الراعي في ملكيته . والذين يملكون عددا محدودا يبدأ من واحدة فأكثر يضمون ما يملكون إلى القطيع الكبير . ويسمون أصحاب ( العرة ) بتشديد الراء تمييزا لهم عن أصحاب ( الشلعة ) . إذ كما أطلق القرويون على قطيع البقر اسم ( العجال ) أطلقوا على قطيع الماعز أو الغنم اسم ( الشلعة ) . وإذا كانت ( صيرة العجال ) ملك القرية كلها ، فان لكل صاحب شلعة ( صيرة لشلعته ) مملوكة منه . وإذا كانت عودة ( العجال ) عودة هادئة لا تثير إلا وقع الأظلاف على الأرض ، فان عودة ( شلعات ) المعزى والغنم عودة شعرية عاطفية ! . فمنذ تقبل ( الشلعة ) على القرية وتجد الأمهات ريح السخال يتعالى ثغاؤها جياشا بأروع صور الأمومة ! . فما من عنزة أو غنمة لها أولاد تنتظرها إلا وترسل ذاك الصوت العاطفي الشعري الذي لا تدري أهو نداء أو هتاف أو إعلام ، أو هو مزيج من هذا كله ! . فتشتبك الأصوات كلها متعالية من هاهنا وهاهنا فتشكل مجتمعة مظهرا من أجلى مظاهر الشوق والحنين والحدب والعطف ، تعبر فيه هذه العجماوات أصدق تعبير وتبين فيه أوضح إبانة ! . . فإذا دنا القطيع من مقره وأصبح على قيد خطوات من ( الصيرة ) وسمعت السخال ثغاء الأمهات ردت عليها بثغاء أشجى ونداء أرق ! . ألا لله تلك الأماسي الشاعرية العاطفية التي لم يبق منها اليوم إلا بقايا ! . . الصيف في القرية كان لحياة الصيف في القرية الذي تحدثت عنه فيما سبق جانب آخر لا يخصها وحدها بل يعم الجبل كله . فكروم التين في شقرا كروم محدودة ليست لأكثر من سد حاجة الناس بالتين كفاكهة صيفية بحتة . وهذا لا يمنع أن الكثيرين كانوا يعدون التين لفصل الشتاء بعد تيبيسه في الصيف ولكن لا تين شقرا ولا تين غيرها من القرى البعيدة عن الساحل كان يعتبر من التين الجيد القابل للادخار للشتاء . وإنما كان التين الجيد هو تين القرى الساحلية . ومنذ أن تبدو طلائع الصيف ويصبح موسم التين قريب الحلول تتهيأ صبايا القرية للذهاب إلى ( الساحل ) حيث يمكثن هناك طيلة موسم التين . تذهب الصبايا كل إلى القرية الساحلية التي اختارتها حيث يعملن هناك في كروم التين قطفا ونشرا وتيبيسا . لذلك تتحول كروم التين في الساحل إلى مجامع قروية جياشة حيث لا يخلو بيت من أن يملك شيئا من شجر التين أو يعمل في شجر التين ، وتنصب الخيام في الكروم وتنتقل إليها أسر بكاملها من بيوت القرية ، ينضاف إليها الفتيات العاملات القادمات من القرى الجبلية . فتدب في تلك الكروم حياة زاهية نضيرة متالقة ، وتشيع في تلك السهوب روح من الانشراح والمرح والنشاط . وفي ظلال التين تنشد أحلى أغاني الغرام ، وفي ضوء القمر تتفتح أعذب أماني القلوب فتموج الدنيا كلها بالبهجة والحبور . ولما تأخذ أشجار التين بالاقفار من الثمار ، ويأخذ الصيف بالاقلاع من تلك الديار ، يأخذ النزلاء بالتهيؤ للرحيل . ثم تقفر الأشجار ويناى الصيف ، وتمضي الفتيات عائدات إلى ( الجبل ) وفي جيوبهن ما ادخرن من مال وعلى دوابهن أو على رؤوسهن ما جمعن من تين يابس يدخر لأيام الشتاء . أما اليوم فقد انقضى صيف التين . واستؤصلت أشجاره في الساحل وعفى الزمن على ذاك اللون من الحياة العاملية لأن التين اليابس بوسائل تحضيره البدائية لم يعد مجديا وصار لبنان كله يستورد التين اليابس من كل مكان ، لأن التين في كل مكان استحدثت لصنعة الوسائل الحديثة وأصبح صناعة من الصناعات ! . الماء وكان من أوجع ما تعانيه القرية العاملية خلال الصيف هو أمر الماء . فالينابيع في الجبل قليلة جدا . وحين توجد في قرية من القرى - على قلة ما توجد - فإنما توجد بماء قليل لا يكاد يفي بحاجة القرية . وكان الناس يعالجون هذا بإنشاء العيون المصطنعة والبرك المفتعلة فهم يختارون أماكن