حسن الأمين
272
مستدركات أعيان الشيعة
وكثرت الإشاعات وتوالت الارهاصات ، لقد بدت طلائع تحركات في الشوف ، إذا كانت ذات صبغة فردية ومحاور محدودة ، فقد كانت ذات دلالة كبرى . وبدا أن الخطوة التالية بعد مرجعيون هي النبطية . . . على أنه من ناحية ثانية كانت الامدادات الفرنسية قد وصلت بطريق البحر وانطلقت في اتجاه جنوب لبنان لصد المد الثوري ، وكانت إمدادات قوية يحسب لها كل حساب . ولكن الموقف الحاسم الذي أوقف تقدم الثوار ، ثم ردهم عن مرجعيون نفسها ، كان الفشل الذي أحاق بهم في محاولتهم احتلال قلعة راشيا الوادي ، حيث كانت تقيم قوة فرنسية حاصرها الثوار ، ثم حاولوا الصعود إلى القلعة على السلالم التي نصبوها ، فكانوا كلما احتشدوا على السلم حصدتهم الرشاشات فتهاووا صرعى إلى الأرض . ومع ذلك فقد استطاع فريق منهم الوصول إلى القلعة ودخولها مما أرعب الفرنسيين . وكانت النجدات الفرنسية تسرع في الوصول إلى القلعة فتقدمت طائرة ألقت برسالة فوق القلعة ، ولكن الريح حملتها إلى الخارج فسقطت بعيدا عن القلعة . وكانت راهبة لبنانية قد رأتها تسقط فالتقطتها وحملتها إلى من في القلعة . ويبدو أن الثوار ترفعوا عن أن يتصدوا لامرأة تحاول اللجوء إلى القلعة ، لا سيما وهي في ثياب الراهبات ، فتركوها . وكان في الرسالة دعوة للمحصورين إلى الصمود لأن النجدات أصبحت وشيكة الوصول إليهم . وهكذا صمد الفرنسيون بعد أن كادوا يستسلمون ، ثم فوجئ الثوار بالجند ينقض عليهم من الخارج بينما النار تنصب عليهم من الداخل ، فكان ذلك كافيا لتشتتهم ، بعد أن أبدوا من البطولات ما كان خليقا ببني معروف الأنجاد ، وما هو إلى الأساطير أقرب منه إلى الحقائق لما فيه من البسالة المنقطعة النظير ، والاستهانة بالموت استهانة رائعة ! . . وكانت معركة راشيا هذه حدا فاصلا في تاريخ الثورة ، أخذت بعده تتراجع تدريجيا . ولو قدر للثوار الفوز بالسيطرة على القلعة واقتحامها لكان للثورة شان أي شان . . . وقد جاءت أنباء راشيا تملأ نفسي هما وأسى ظلا يطغيان عليها يوما بعد يوم ، لأن أنباء الانتصارات كانت تمتزج بأنباء الفشل ، حتى عاد الأمر بعد ذلك كله فشلا وتراجعا . وفي هذه الأثناء شاع شعر الشاعر القروي رشيد سليم الخوري وشعر الياس فرحات الثوريين وحفظنا قصائدهما عن ظهر قلب ، بل ويمكن القول أنني سمعت باسم القروي لأول مرة مع سماعي لقصيدته العينية إذ كنت في صيدا لأمر خاص ، وفي إدارة مجلة العرفان اطلعت على القصيدة ونقلتها معي وأذعتها في جبل عامل ، فانتشرت في كل مكان فيه . وإليك ما وعته الذاكرة من تلك القصيدة التي خاطب فيها سلطان الأطرش : خففت لنجدة العاني سريعا غضوبا لو رآك الليث ريعا وحولك من بني معروف جمع بهم وبدونهم تفني الجموعا كأنك قائد منهم هضابا تبعن إلى الوغى جبلا منيعا ألم يلبس عداك ( التنك ) درعا فسلهم هل وقى لهم ضلوعا ومذ هطل الرصاص عليك سحا كوسمي جليت به ربيعا وثبت إلى سنام التنك وثبا عجيبا علم النسر الوقوعا وكهربت البطاح بحد سيف بهرت به العدي فهووا ركوعا كان به إلى الإفرنج جوعا وسيفك مثل ضيفك لن يجوعا تكفل للثرى بالخصب لما هفا برقا فامطرهم نجيعا فخر الجند فوق « التنك » صرعى وخر التنك تحتهم صريعا فيا لك غارة لو لم يذعها أعادينا لكذبنا المذيعا ويا لك « أطرشا » لما دعينا لثاثر كنت أسمعنا جميعا كيف ثارت الثورة الواقع أن نوايا الجنرال ساراي لم تكن من السوء إلى الدرجة الذي أظهرتها الأحداث التي رافقت وجوده في سوريا ولبنان ، وحين نريد أن ننصف فان علينا القول بأنه شتان بينه وبين سلفيه غورو وويغان . ويكفي أنه طلب إلى الوطنيين الذين قابلوه أن ينظموا صفوفهم أولا وأن يؤلفوا حزبا سياسيا يوحد كلمتهم ويحدد مناهجهم . ويكفي أنه لم يتوقف أبدا في إجازة حزب الشعب مع علمه بماضي رجاله وأهدافهم الاستقلالية . ولكن الأمور سارت بعد ذلك بعكس هذا الاتجاه ، وتطورت الأحوال إلى الحد الذي جعل من ساراي جزارا من جزاري سوريا ، دون أن يقصد ذلك أو يتعمده . . ولا شك أن لحاشية السوء التي كانت تحيط بالجنرال والتي لم يكن في تصوره التخلص منها ولا في علمه شيء من نواياها ، هذه الحاشية التي صورت له الأمور على غير حقيقتها ، ولم تشا أن توضح له ما يجب إيضاحه ، وأن تبين المحاذير التي ستنجم عن بعض التصرفات . بل على العكس ، ربما تكون هي التي قادته إلى المزالق التي وجد نفسه فيها ، والتي دهورته إلى أسوأ مصير . . قلنا فيما تقدم أن غورو أعلن جبل الدروز دولة منفصلة عن سوريا ، ولارضاء الدروز عين الجنرال حاكما منهم للجبل هو الأمير سليم الأطرش ، ثم لم يلبث أن مات ، فعين الفرنسيون مكانه ضابطا من ضباطهم الرعناء المهوسين ، ممن يبدو أنهم نشاوا وسادوا في حكم المستعمرات وألفوا الغطرسة والاذلال . فسار في حكم جبل الدروز سيرا كله شطط ورعونة وشراسة وإرهاق ، مما كان له أسوأ الأثر في نفوس الدروز الأشداء . . ولم تفد الشكاوى بل زادته غطرسة وتجبرا . وحين جاء ساراي ، رأى زعماء الدروز أن الوقت مناسب للمطالب بتنحية كاربيه ، ولكن الأمل في نفوسهم كان ضعيفا ، وكانت الحركة الوطنية بعد تأليف حزب الشعب قد انتظم أمرها ، وبدأت الاتصالات وتوسعت المناهج والخطط ، فكان أن عقد اجتماع تمهيدي في أوائل شهر أيار سنة 1925 في أحد البيوت الدمشقية حضره فريق من زعماء الجبل مع فريق من قادة الوطنيين في دمشق بحث فيه بتوحيد جهود العاملين ، وأشير فيه لأول مرة إلى القيام بثورة مسلحة . ويبدو أن الفكرة لقيت تجاوبا عند زعماء الجبل فتلا هذا الاجتماع اجتماع آخر موسع ضم معظم رجالات الجبل بمن فيهم شيخ مسيحي الجبل