حسن الأمين

273

مستدركات أعيان الشيعة

( عقلة القطامي ) تعاهد فيه الجميع على العمل يدا واحدة لا من أجل تنحية كاربيه فحسب بل من أجل الوحدة والاستقلال ، واختمرت في النفوس فكرة الثورة وتقرر أنها هي الطريق الوحيد للوصول إلى الحق . وفي 15 أيار سافر الكابتن كاربيه بإجازة إلى فرنسا ، وقد رأى زعماء الجبل وجوب الاتصال بالسلطات الفرنسية لوضع حد لطغيان كاربيه والخلاص من الوضع القائم فأم وفد منهم دمشق ومنها أبرقوا للجنرال ساراي طالبين موعدا لمقابلته . ثم قصدوا إلى بيروت ولكن ساراي رفض مقابلتهم ، وبعد توسطات أحالهم على الأمين العام ، فلم يصنع شيئا فعادوا محنقين . وتتالت الأحداث فلجا ساراي إلى أمر مشين ، إذ بعث بتاريخ 11 تموز إلى مندوبه في دمشق ليدعو إليه عددا من الزعماء الكبار باسم التفاوض وإنهاء الأمر حتى إذا وصلوا اعتبرهم مسئولين عن كل ما يمكن أن يحدث في الجبل ، ثم أبقاهم بيديه رهائن يعتقلهم في أحد المعتقلات . . وهكذا تم له ما أراد فنفى بعضهم إلى تدمر وبعضهم إلى الحسكة . . على أن أخطر الزعماء ( سلطان الأطرش ) أبى القدوم إلى دمشق وبذلك ظل في منجاة من الاعتقال . وحسب الفرنسيون أنهم يستطيعون القبض على سلطان فجهزوا حملة صغيرة يناهز عددها المائتي جندي وضابط بقيادة النقيب نورمان ، فهاجمهم سلطان في الثاني والعشرين من شهر تموز 1925 أي بعد خمس سنين من يوم 24 تموز 1920 يوم معركة ميسلون . فلم يثبت الفرنسيون لسلطان فابيدوا . ثم جمعوا قواهم كلها في قلعة السويداء وتقدم سلطان إلى السويداء فدخلها وبدأ حصار قلعتها . ولكن كان على ساراي أن يفك الحصار عن قلعة السويداء فجهز حملة بقيادة الجنرال ميشو أيقن أنها كافية لانهاء التمرد والتغلب عليه . ومن بلدة أزرع تقدمت الحملة وعددها سبعة آلاف جندي مجهزة بكل أدوات القتال ، ومشت في أول آب 1925 متجهة إلى السويداء فلاقاها بنو معروف ببسالتهم المعروفة فلم تصمد لهم وكان نصيبها نصيب حملة نورمان على فرق ما بين الحملتين من حيث العدد والعدد . وغنم الثوار من سلاحها ما كان لهم عتادا يعز مثيله لا سيما من المدافع بذخائرها . وكان في هذه الحملة جل ما يملك الفرنسيون من قوى فلو واصل الثوار زحفهم إلى دمشق لدخولها منتصرين . وبالرغم من التكتم الشديد الذي حاول الفرنسيون به إخفاء حقيقة النصر الباهر الذي أحرزه الثائرون فقد تسربت أنباء هذه المعركة إلى كل مكان ، ووصلتنا أخبارها . وبعدها أدرك ساراي أنه كان مخطئا في سوء معاملته لرجالات الجبل فحاول مفاوضتهم واسترضاءهم وأطلق المعتقلين منهم في تدمر والحسكة منذ 13 تموز فعادوا إلى الجبل . ثم أرسل وفدا من دروز لبنان إلى الجبل لوضع حد للأعمال الثورية وفي نفس [ الوطت ] الوقت طلب من فرنسا تعزيزا عسكريا . وقد التقى في الجبل نوعان من الوافدين نوع لبناني يمهد للسلام ونوع دمشقي يدعو لاستمرار القتال . وفي الوقت الذي كاد السلم أن يتحقق وصل الدمشقيون فرجحت كفة القتال . مفوض سام جديد بعد فاجعة دمشق وقصفها بالطيران والمدافع وتشعب الأمور وامتداد الثورة قررت الحكومة الفرنسية استدعاء ساراي ، وأرسلت بدلا منه لأول مرة منذ الاحتلال الفرنسي مفوضا مدنيا ليعالج الأمور ويصلح ما فسد منها ، هو دو جوفنيل . وفي نفس الوقت كانت الامدادات الفرنسية يتوالى وصولها قادمة بطريق البحر إلى بيروت ومنها مرسلة إلى مختلف المناطق . وقدم جوفنيل معرجا على مصر ليقابل من بها من السوريين للتفاهم والتفاوض ولكن لم يكن لذلك من نتيجة . ثم وصل بيروت في أول كانون الأول 1925 وقامت محاولات للتفاوض والتوفيق ومضى وفد لبناني دمشقي للاتصال بالثائرين فقصد درعا ومنها إلى عرى والتقى بالزعماء الذين عرضوا أدنى ما يمكنهم قبوله . وتألف وفد دمشقي للاتصال بالمفوض في بيروت ، وحدد مطالبه ، ولكن هذا الاتصال لم يؤد إلى شيء . وهنا أعلن رئيس الاتحاد السوري استقالته فعجز المفوض عن إيجاد خلف له ، لذلك أعلن تعين فرنسي حاكما لسوريا . ثم حاول المفوض أن يفصل بين قضية جبل الدروز والقضية السورية لمخاطبة الدروز رأسا ولكن المحاولة لم تثمر . وحاول أن يجري انتخابات في سوريا ففشل ، وكان يبدو متخبطا لا يدري ما يصنع . ولستر الاخفاق قرر الاعتماد على العمل اللبناني فقرر إعلان الجمهورية اللبنانية واستبدال رئيس لبناني لها بالحاكم الفرنسي وإنشاء مجلس شيوخ إلى جانب المجلس النيابي وإعطائها كل بهارج الجمهوريات دون حقائقها . واعتقد أنه بهذه المظاهر الجمهورية يمكن أن يغري الثائرين . ولكنه لم يصل إلى أية نتيجة فرأى من الأفضل له أن يعود من حيث أتى . فغادر البلاد في الثامن والعشرين من شهر نوار 1926 . موقف مجلس لبنان من الثورة عندما وصل الثوار إلى أطراف لبنان واشتبكوا مع القوات الفرنسية ثم تقدموا داخل لبنان اجتمع المجلس التمثيلي اللبناني في أول كانون الأول 1925 وأصدر قرارا باقتراح النائب شبل دموس خالفه كل من النواب : فؤاد أرسلان وعمر بيهم وعمر الداعوق وجميل تلحوق . وهذا نص القرار : « لما كانت حوادث العصيان التي ابتدأت في جبل حوران قد تطاير شررها إلى الأطراف الجنوبية الشرقية من لبنان فتناولت حاصبيا وراشيا وما يتبعهما من القرى المجاورة فألحقت بالبلاد ضررا فادحا بالأموال والأرواح . ولما كانت هذه الحوادث في قرانا التي على الحدود غير مستندة إلى مبدأ يبررها . ولما كانت حكومة لبنان المحلية غير مجهزة بجيش نظامي يرد غزوات الطامعين وكانت على ثقة تامة من حماية الدولة المنتدبة للبلاد عند الحاجة قياما يعهدها الذي قطعته مع جمعية الأمم .