حسن الأمين
271
مستدركات أعيان الشيعة
أسجل هنا بأنه كان لجبران التويني ولجريدة الأحرار الفضل بتعميم أنباء الثورة بشكل صريح . وكان نجيب الريس لا يزال مراسلا في دمشق فكان يمدها بالأخبار الثورية فتفتح الأحرار صدرها على أوسع ما يمكن . ولم تكن تصلني الأحرار بانتظام ، ولكن ما كان يصلني منها كان ينعش نفسي ويرضي شعوري ! . ثم علمنا أن الفرنسيين أطبقوا على قادة حزب الشعب في دمشق ففر منهم من فر وقبض على من قبض عليه . وكان إعلان الثورة قد اتفق عليه بين زعماء الجبل وبين وطنيي دمشق بعد أن تعهد هؤلاء بالانضمام إلى الثورة في حالة بدء الزحف ، وتواعد الدمشقيون على اللقاء في الغوطة والوصول إلى الجبل ، فخرج من خرج وعلى رأسهم الدكتور عبد الرحمن شهبندر وسعيد حيدر وحسن الحكيم وقبض الفرنسيون على من بقي وبينهم يوسف حيدر صاحب المفيد ونجيب الريس محررها الأول ومراسل الأحرار في دمشق . كما قبضوا على الوطنيين في غير دمشق ونفي الجميع إلى جزيرة أرواد . وأذكر من أخبار الثورة في تلك الأيام تقدم فرسان الدروز إلى دمشق ، ثم إعلان الفرنسيين صدهم بالطائرات والمصفحات بعد اعترافهم بأنهم لم يكونوا بعيدين عن دمشق . وتوالت أحداث الثورة وتوالت انتصاراتها ، وبدأت تعم البلاد وتمشي من بلد إلى بلد . وكنت حين ذاك أحس بفيض من الزهو يملأ نفسي لما كان ينزل بالفرنسيين من هزائم . ثم وضحت صورة الثورة أمام أبصارنا وعرفنا من حقيقة معارك الجبل ما لم نكن قد سمعنا عنه إلا القليل . فقد كانت هزيمة الجنرال ميشو هزيمة كبرى ذبح فيها جيشه أو تشرد واستولى الثوار على المدافع وكل الأسلحة وأضحت فرنسا في البلاد بلا جيش يرد عنها الهزائم . ومشت الثورة إلى الغوطة وانضم إليها الدمشقيون والغوطيون ، وتالق اسم حسن الخراط الحارس الدمشقي البسيط وأصبح بطل معارك الغوطة وزعيم عصاباتها ، ينازل الفرنسيين ويرعبهم . واستضعف الثوار قوة الفرنسيين فقرروا اقتحام دمشق ، واقتحموا بالفعل ونفذوا إليها من كل جانب ، وقصدوا إلى مقر الجنرال ساراي من قصر العظم قرب البزورية حيث كان يبيت طيلة أيام الثورة وحاولوا أسره ولكنه استطاع النجاة قبيل وصولهم . ثم أمر مدافعه المنصوبة على الفمم المطلة على دمشق أن تصب حممها على المدينة الباسلة ، فانهالت القنابل تحرق وتدمر ، قنابل المدافع وقنابل الطائرات . ووصلتنا الأخبار بتفاصيلها ، وعلمنا فيما علمناه أن حينا قد كان عرضة للقنابل ، وأن ( دخلة الشرفا ) نفسها أصابتها النار الغاشمة ، وأن صحابا لنا من الجيران قد فقدوا أبناءهم وأطفالهم ! . . ثم إذا بالثورة تطل علينا نحن ، وإذا بها تغدو على مقربة منا ، فقد تقدم الثوار بقيادة زيد الأطرش واحتلوا وادي التيم ونزلوا حاصبيا ومشوا إلى كوكبا فقاومتهم فصاولوها فنالها ما ينال من يقف مثل موقفها . فاستغل الفرنسيون وأذنابهم الحادث وعملوا على تشويه وجه الثورة الناصع ، وأثاروها طائفية بشعة ! . . وفي يوم كنا في شقرا نستطلع الأخبار ، ونتوقع الحوادث فإذا بنا نشاهد عن بعد دخانا كثيفا يتعالى في الجو ويمتد ثم يمتد إلى العلاء فحدس الحادسون بان جديدة مرجعيون تحترق . وقد صح حدسهم ، فان ضابطا لبنانيا أرعن كان يقود قطعة مما سماه الفرنسيون ( القناصة اللبنانية ) وهم جنود لبنانيون تطوعوا في الجيش الفرنسي - إن هذا الضابط أبى إلا المقاومة في الجديدة . ولكنه لم يلبث أن هزم هو وقناصته ودخل الثوار الجديدة دخول المنتصرين مما أدى إلى إحداث الحرائق التي شهدنا دخانها من تلك المسافة البعيدة . وقد آلمتنا أحداث كوكبا والجديدة . وأذكر أن شاعرا متفرنسا نظم مقطوعة يحيي بها كوكبا ويحمل على الثوار نشرتها له مجلة المعرض ، لا أزال أذكر ختامها وهو هذا البيت : أو شئت تشهد معقل الأبطال فاقصد « كوكبا » فاثارني ذلك فرددت عليه بمقطوعة جعلتها في تحية مجدل شمس التي كان أبناؤها في طليعة الثوار : إن رمت تظفر بالألى بذلوا النفوس وما غلا من كل أروع باسل متن الفخار قد اعتلى يحمي بصفحته إذا حمي الوطيس المعقلا يرد الوغى وشعاره إما الممات أو العلى أو شئت تشهد معقل الأبطال فانح « المجدلا » ومن البديهي أن مقطوعتي لم تظهر إلا لبعض الأصدقاء . أما مجدل شمس التي سميتها معقل الأبطال ، فهي اليوم ترزح تحت الاحتلال الصهيوني ! . ألا : سلام على تلك الأيام التي كانت البلاد تضطرم فيها بنار الثورة : نار الاباء والشهامة والبطولة والشمم . سلام على تلك العهود التي حمل فيها الشعب الأعزل ما تيسر له من سلاح ومضى يذود عن شرف بلاده وكرامة وطنه ويقاتل في سبيل حريته واستقلاله مناضلا أعظم قوة عسكرية في ذلك العصر . القوة التي هزمت قبل بضع سنوات قوة ألمانيا الجبارة وعطلت آلتها الحربية ! . الشعب الذي لم ينتظر مؤتمرات القمة ، ولا ثرثرة الثرثارين ، ولا بيانات الجبناء ، وبلاغات المتخاذلين . بل نادى : إلى السلاح ! . وما كان سلاحه إلا بنادق متباينة ومسدسات متغايرة صمد بها في وجه المدفع والرشاش وقاتل بها الدبابة والمصفحة . وهزم بها ( الجنرالات ) . سلام على تلك الأيام ، والبلاد تنوء بالاستعمار ، وترزح تحت الانتداب . ولكنها تقاتل وتحارب ! . . ولا سلام على هذه الأيام ، والبلاد تنعم بالاستقلال ولكنها تستكين للسلم الذليل ! . وفي هذه الفترة كانت قد بلغت الثورة أوجها وسيطر الثوار على ما يقرب من نصف سوريا ، وهاهم الساعة يطلعون على لبنان ويوغلون فيه ، حتى لقد كتبت المعرض مقالا عنوانه : هل نحن على بركان ؟ ! .