حسن الأمين

265

مستدركات أعيان الشيعة

فلتعش الأمة وليحيى الوطن دوما حصين وكنا نحن في المدرسة العلوية نحفظ هذا النشيد ونعلم أن المقصود بأمين الشهيد هو يوسف العظمة ، وأن ما جاء فيه من الحديث عن المعركة والعساكر كان المقصود به معركة ميسلون . ولم يكن النشيد يثير ريبة الفرنسيين ، لما فيه من غموض المقصد لغير العارف . وكان أديب التقي قد طبع هذا النشيد مع مجموعة أناشيد سماها أغاريد التلاميذ ، ومن هنا سار النشيد إلى كل مدرسة والكل يعلم ما هو ومن هو المقصود بالنشيد . ولم يكن في ذلك الوقت الحرج مستطاعا أكثر من هذا . وجاء يوم 24 تموز سنة 1924 بعد ذاك الكبت المرهق ، وجاءت الذكرى وقد آن أوان الاحتفال بها علنا على رؤوس الأشهاد بعد مرور أربع سنوات على المعركة . ولا أدري الآن بمن كان اتصالي ولا كيف عرفت بأنه تقرر تحدي الفرنسيين والذهاب إلى ميسلون والاحتفال بالذكرى على قبر يوسف العظمة نفسه وفي ميسلون نفسها ، ولكنني أذكر أنني بعد الظهر كنت في المرجة ملتقيا باثنين من رواد الاحتفال لا أذكر الآن من هما وأننا كنا نفتش عن اثنين آخرين ليملئا معنا السيارة التي ستنقلنا إلى ميسلون . وبعد لحظات وجدناهما ومضت بنا السيارة إلى ميسلون حيث وجدنا غيرنا قد سبقنا ، وحيث تتالى وصول السيارات حتى اجتمع بضع مئات من الشبان والكهول . وكنت أصغر الجميع سنا . وكان أبرز الحاضرين الدكتور خالد الخطيب أحد معتقلي أرواد الذي مر ذكرهم . وكان الدكتور خالد جمرة من الجمرات الوطنية الذكية المتلألئة ، وقد أعطاه الله بسطة في الجسم والعقل ، ووهبه صوتا جهوريا مؤثرا وأداة خطابية فاعلة . وتقدم قارئ للقرآن يتلو بصوت رخيم آيا من الذكر الحكيم فيها : * ( وا أسفا على يوسف ) * ! . ثم برز الدكتور خالد الخطيب يرتجل خطابا استمده من نار ميسلون ودمها ، وكفى بذلك . . ثم انبرى الجميع ينشدون بصوت واحد نشيد ( أمين الشهيد ) وهنا فوجئت بتغلغل النشيد في جميع الأوساط الوطنية وأن كل من في دمشق وربما في غير دمشق أيضا يحفظون النشيد ويرددونه ! . وصحيح أن النشيد كان رمزيا ليس فيه اسم يوسف ولا اسم ميسلون ولكن قيمته كانت في أنه مكتوب بمداد تحس أنه من تراب ميسلون وأنفاس يوسف العظمة ! . وقد كان صغر سني وما يبدو علي من مظاهر الانفعال والتأثر سببا في أن الجميع كانوا يحيطونني بعطف وحنان ويدفعونني إلى التقدم إلى جانب الضريح أثناء الاحتفال ، حيث كان التزاحم للوصول إليه ملموسا . وكان بعض الحاضرين قد أحضروا معهم طاقات الورد وبعض الأكاليل ، أما الأكاليل فوضعت على القبر وأما الطاقات فبقيت محمولة بأيدي أصحابها . وتأثر أحد حاملي الطاقات بمنظري فأسرع يقدم لي طاقة الورد التي كانت معه لأحملها بيدي . ويبدو أنه كان مقررا أن يخطب الدكتور خالد الخطيب وحده ، لذلك لم يتكلم أحد فيما عدا نصوح الخرسا الذي استأذن بإلقاء بعض المقترحات . . ثم انتظم الجميع في موكب واحد عاد في مجموع سياراته فدخل دمشق دخولا حماسيا أثار تصفيق المشاهدين وذكرهم باليوم الرهيب ! . هكذا جرى أول احتفال بيوم ميسلون بعد مرور بضع سنين على أحداثه . وهكذا مر أكبر تحد للفرنسيين في ذلك الوقت . أما خالد الخطيب فقد التحق بعد ذلك بالثورة السورية ، ثم مات بعيدا عن وطنه ، ولم يعد إلى بلده حماه إلا جثة هامدة ! . وأما نصوح الخرسا فلم أعد أسمع عنه بعد ذلك شيئا . كان الاحتفال بيوم ميسلون مؤثرا في نفسي إلى حد أنطقني لأول مرة بالشعر ، فلما عدنا من ميسلون نظمت أبياتا لا أزال أذكر صدر مطلعها وهو : ( سلاما أيها الثاوي سلاما ) . أول مظاهرة بلفور صاحب الوعد الذي وهب فيه فلسطين لليهود ، والذي لا يوجد في تاريخ العرب الحديث وربما القديم من هو أشد إجراما ، وأعظم إيذاء للعرب منه ! . بلفور هذا دعاه اليهود ليشهد احتفالهم بافتتاح جامعتهم العبرية في القدس ، دعوه تكريما له وتقديرا لما أداه لهم . وجاء بلفور فمر بمصر مجتازا إياها إلى فلسطين ، ولم يثر وصوله إلى مصر أي شيء ولم يقابل باي تحرك أو احتجاج ، إذ كانت مصر إذ ذاك بعيدة عن الحس العربي لا يعنيها في شيء بلفور ووعده وتحركاته . ولولا أن نفرا من الفلسطينيين ورفاقا لهم مضوا إلى محطة القطار الذاهب إلى فلسطين والمقل لبلفور فهتفوا هتافا ضعيفا ضاع في زحمة الوداع الرسمي وضجيج الحياة الصاخبة لولا هذا لما كان لمرور بلفور في مصر ونزوله القاهرة أي صدى احتجاج أو غضب وشتان بين الأمس واليوم في تحسس مصر العربي . ووصل بلفور فلسطين فقابله العرب بالسخط مضربين متظاهرين ، وقد كان من حقه أن لا يخرج من فلسطين حيا ، ثم ها هو في دمشق ! .