حسن الأمين

266

مستدركات أعيان الشيعة

إن مروره في مصر تحد للشعور العربي أي تحد ، ثم أن تجوله في فلسطين إيغال في التحدي ! . وظل يوغل في التحدي هابطا إلى دمشق ، نازلا في العاصمة العربية الباسلة ، وقبلت دمشق التحدي وخرجت إلى بلفور ، خرجت إليه بالقلب العربي المؤمن والدم الشامي الفائر ! . خرجت إليه بكل عراقتها ، ومشت بكل أصالتها ، واندفعت في الليل بمظاهراتها ( وعراضاتها ) شيبا وشبانا وفتيانا وصبيانا تحاول أن تقتحم عليه فندقه على ضفاف بردى ! . ومشى النذير إلى الفرنسيين فأخرجوا بلفور من الفندق قبل وصول المظاهرات ومشوا به في طريق بيروت دالينه على الطريق إليها . . . واستمرت دمشق طول الليل تغلي كالمرجل ، وتجددت المظاهرات في النهار ، ولم يكن لي نصيب في الاشتراك بمظاهرات الليل ، ولكنني قمت في الصباح منطلقا مع المنطلقين حتى بلغنا أواسط شارع النصر ، وهناك هاجمنا فرسان المغاربة بخيولهم وسيوفهم شاقين بها صفوف المتظاهرين ، ضاربين بالسيوف على الشمال واليمين . وتشتتت المظاهرة بعد أن كادت ضربة سيف تلامس وجهي لولا إلقائي بنفسي على الشجيرات الممتدة في قلب الشارع . وهكذا لم يستطع بلفور أن ينعم بالقرار في دمشق ولا استطاع أن يتخذ من ثراها مهجعا ولو ليلة واحدة . وكانت هذه المرة الأولى التي أشارك فيها بالمظاهرات مشاركة عملية وأسير فيها مع السائرين وكان ذلك في أوائل سنة 1925 على ما أذكر . ثم كانت لنا بعد ذلك مع المظاهرات أحاديث وأحاديث ! . . قراءات ولا بد لي أن أشير هنا إلى أني كنت أتوق إلى مطالعة كل ما هو جديد من الكتب ، فعدا الصحف اليومية التي كانت محصورة على الأغلب بجريدة المفيد ، وعدا المجلات الشهرية التي كانت هي الأخرى محصورة بمجلة العرفان ، فقد كنت أدخر كل ما أستطيع ادخاره من المال القليل الذي كان يصل إلي لشراء الكتب الحديثة . فمما قرأته في تلك السن . كتاب مذكرات جمال باشا ، وما رأيت وما سمعت للزركلي ، وملوك العرب للريحاني . وهذا الكتاب الأخير كان له في توجيهي النثري أعظم الأثر ، وتأثرت به إلى أبعد حدود التأثر ، إذ حبب إلي أدب الرحلات وعند ما بدأت أجرب كتابة هذا النوع من الأدب كان أسلوب الريحاني فيه يجذبني فاحاول احتذاءه منفعلا بتعابيره وطريقته . إلى أن أولعت بعد ذلك بالرحلات وكتابة انطباعاتي فيها بأسلوب مستقل . وقد كان من فضل هذا الكتاب أن حملني على تسجيل معظم رحلاتي حتى توفر لي من ذلك كتاب كامل نشر كله مقالات متفرقة ، وأرجو أن يتاح لي جمعها وطبعها معا ( 1 ) وإذا كنت قد أشرت من قبل إلى فضل أديب التقي في تثقيف قلمي ودفعي إلى الكتابة ، فإنني أود أن أشير هنا إلى أن الفضل في تحقيق ذلك كان لمجلة العرفان التي احتضنت قلمي وكان لا يزال غضا طريا ، وشجعتني ما وسعها التشجيع . وأولى رحلاتي نشرت في العرفان ، ثم تتابع نشرها فيها ، وما كان لها أن تنشر في غيرها لأسباب منها : أنني أنا نفسي لم أكن لأجرأ على بعث ما أكتبه لغير العرفان ، ثم لنوعية الرحلات ، إذ كانت رحلات محدودة المكان والزمان ، لا تهم غير قارئ العرفان في الغالب . ولما توسعت الرحلات وانتشرت في كل مكان وأصبحت شيئا مذكورا ، ظللت وفاء للعرفان وصاحبها لا أنشرها إلا فيها على الأكثر . ومن مطالعاتي المبكرة تلك الأيام التي كان لها أبعد الأثر في نفسي . ووجهتني بعد ذلك إلى التوغل في دراسة التاريخ الإسلامي ، هو ما كنت أطالعه في كتب والدي التي كان ينشرها في ذلك الحين وأخص منها كتابه المجالس السنية الذي كنت أقرأه حين صدوره ملزمة ملزمة ، وربما قابلت معه التجارب التي تأتيه من المطبعة ( البروقات ) ، فتنطبع في نفسي الأحداث ويشوقني ذلك للشغف في قراءة أمثالها . وقد بلغ الأمر في اطمئنان والدي إلي ، أن اضطر مرة للسفر إلى بيروت بينما كان يطبع الجزء الثاني من كتابه المجالس السنية فعهد إلي أن أتولى - وأنا في تلك السن - تصحيح التجارب وإعادتها إلى المطبعة ، فقمت بالمهمة أحسن قيام ، وعاد والدي بعد أيام ورأى العمل مستمرا لم يتوقف في غيابه . وأذكر أن مما أثر في نفسي خلال قراءتي للمجالس ، قصة مصرع حجر بن عدي ، وقصة الحضين بن المنذر وما قاله فيه أمير المؤمنين من الشعر يوم صفين ، إذ كانت مع الحضين راية ربيعة ، وكان شابا صغير السن ، فزحف بالراية فأعجب عليا زحفه فقال فيه هذه الأبيات التي هي من الشعر القليل الثابت أنه لأمير المؤمنين ، والتي استظهرتها حين قراءتها : لمن راية حمراء يخفق ظلها إذا قيل قدمها حضين تقدما فيقدمها في الصف حتى يزيرها حياض المنايا تقطر الموت والدما تراه إذا ما كان يوم عظيمة أبى فيه إلا عزة وتكرما جزى الله قوما صابروا في لقائهم لدى البأس خيرا ما أعف وأكرما وأحزم صبرا حين يدعى إلى الوغى إذا كان أصوات الرجال تغمغما ربيعة أعني أنهم أهل نجدة وبأس إذا لاقوا خميسا عرمرما وكذلك فقد كان لقراءتي كتاب ( الإمامة والسياسة ) يد في انجذابي إلى التاريخ وانفعلت كل الانفعال لقراءتي فيه قصة وقعة الحرة . وظللت أتابع قراءة كل ما تقع عليه يدي من كتب التاريخ في مكتبة والدي . وعدا ذلك فقد شغفت بقراءة الشعر واستظهاره ، وبدأت أعد دفاتري لتسجيل ما استحسنه من الشعر ، فاستظهرت منه في تلك السن قدرا صالحا . وإني لآسف أن كل تلك المجاميع التي دونتها قد ضاعت . ومما لا يزال عالقا في ذهني من مستظهرات تلك الأيام قصيدة لخير الدين الزركلي الذي كان فيمن اضطروا لهجر البلاد بعد معركة ميسلون واستقر في مصر ، والتقى فيها بعادل أرسلان فتطارحا الشعر الوجداني الرقيق المعبر عن شوقهما لوطنهما وحنينهما إلى بلدهما ، وشعورهما بالغربة والوحشة ، وتحسرهما على ما آل إليه أمر أمتهما . فقد نشرت جريدة المفيد قصيدة الزركلي وجواب أرسلان فمما أحفظه

--> ( 1 ) طبع الكتاب بعد ذلك باسم : ( من بلد إلى بلد ) .