حسن الأمين

264

مستدركات أعيان الشيعة

وكانت الأنظار كلها متجهة إلى هذا الصبي متسائلة عما يريد أن يفعل ! . فلم ارتبك ، إذ كان أقل ارتباك أو تضعضع سيحيل الأمر إلى مهزلة تنتهي بابعادي عن مكاني على أسوأ حال . لذلك توكلت على الله وانطلقت بما أعرفه من كلمات فرنسية محدودة معبرا فيها عن بعض ما أريد قوله « فقلت ما معناه مخاطبا الجنرال : « إنك لا تستطيع أن تذهب إلى أبعد من صور لأن طريق السيارات ينتهي بصور ، وإذا استطعت الوصول بإحدى الوسائل إلى ما هو أبعد من صور . فإذا مرضت هناك فلا طبيب يعودك . وإذا كان لك ولد هناك فلا مدرسة تأويه . نريد طرقا ومدارس وأطباء » . والحقيقة أنني كنت أريد المطالبة بأكثر من هذا ولكنني عجزت عن الاسترسال في المطالب باللغة الفرنسية فسكت عند هذا الحد . وقد انفعل الجنرال وحاشيته لهذا الكلام كل الانفعال وأثر في نفسه أبعد التأثير ، فأشار إلى رئيس غرفته المدنية المسيو ( جيسكار ) بان يحضرني إليه ، فأسرع آخذا بيدي إلى الجنرال ، الذي ربت على كتفي مبتسما ومشجعا ، ثم خاطبني بكلام لم أستطع متابعته وفهمه . وأدرك ذلك بعض من كان في حاشيته قريبا منه فأسرع يترجم لي كلام الجنرال ، فإذا به يقول أيهم تفضل أولا ، الطريق أم الطبيب أم المدرسة ؟ . فقلت : الطريق لأنها هي ستأتي بالمدرسة والطبيب . فقال ستأتي الطريق . ولكن أين هي قريتك ؟ . قلت يجب أن تنتهي الطريق لا في قريتي بل في بنت جبيل . واندفع رئيس غرفته يصورني صورة فتوغرافية ولا أدري أكان ذلك منه أم بايعاز من الجنرال . وسألني عن عنواني ليبعث لي بالصورة . فأعطيته عنواني في المدرسة العلوية في دمشق . وقد أضاع هذا الذي جرى - أضاع على منظمي الاحتشاد المتزلفين به المستغلين للشعب السائقين له سوق الأنعام لتحقيق ماربهم ، أضاع عليهم رونق ما قصدوه وأفسد عليهم مخططهم ، وضاعوا في خضم ما جرى ! . ولم نلبث أن عدنا إلى دمشق ، فإذا بي أتلقى الصورة وهي المنشورة مع هذا الكلام ، ومعها تحية من رئيس غرفة الجنرال باسم الجنرال ووعد بتحقيق شق الطريق . وكنت يوما أسير في سوق الحميدية بدمشق ، فإذا بي وجها لوجه أمام المسيو جيسكار الذي عرفني قبل أن أعرفه مع أنني كنت في صور أرتدي الكوفية والعقال ، وكنت في دمشق أرتدي الطربوش ، فاقبل علي مندفعا مصافحا ، وقال لي أن الجنرال هنا فهلم معي لزيارته ، فانطلقنا في سيارته إلى حيث كان ينزل الجنرال قرب الجسر الأبيض في الصالحية ، فإذا بالجنرال يعرفني فيقبل علي مرحبا مشجعا . ويبدو أنه أدرك ضعفي باللغة الفرنسية فنادى مترجما له قال لي عن لسانه أنه قد أمر بإنفاذ تعبيد الطريق . وبالفعل بدئ بالتعبيد ، ولكن المنفذين كانوا يتباطئون به حتى أوصلوه بعد جهد إلى جويا . وظل الطريق متوقفا في جويا زمنا طويلا ، على أننا بعد أن كنا نصل بالسيارات إلى صور ونأخذ الدواب منها إلى شقرا . صرنا الآن نصل إلى جويا ، وبذلك قربت شقة الطريق . وبعد عهود وعهود أكمل الطريق إلى بنت جبيل . وحشد الناس لاستقبال الجنرال هو مثال لما كان المستغلون المتسلطون يتعاملون به مع الشعب سواء في العهد التركي أو العهد الفرنسي ثم في عهد الاستقلال . فقد كانت السلطات تطلق يد رجل واحد في المنطقة كلها ، فتعطي من يريد إعطاءه وتمنع من يريد منعه . ويقوم في كل قرية من يطلقون عليه اسم ( الأفندي ) يكون هو يد المتسلط الأكبر في محيط القرية التي يقيم فيها ، وتكون أدوات الحكومة من جباة ودرك تحت تصرفه ، فينال بالضر من يخالفونه وبالنفع من يطيعونه . ثم هو ينفذ أوامر سيده الكبير الذي يعاونه بدوره على تركيز تسلطه . وهكذا يتجمع النفوذ في يد واحدة عليا توزع هي النفوذ على يد في كل قرية . متابعة الحركة الوطنية وكنت أتابع الحركة الوطنية من خلال مطالعاتي لجريدة المفيد التي كانت تصلنا بانتظام ، والتي كانت تصاب بتعطيل السلطات لها بين حين وآخر ، مما كان يبهظها ماليا ، ولكنها ظلت صامدة مستمرة . فكنت أتابع ما يجري في البلاد وما يفكر به الوطنيون مما كنت أقرأه يوميا في المفيد . أول احتفال بذكري ميسلون وكما جاءت ذكرى 8 آذار فاحتفلت بها المفيد احتفالا بيانيا بليغا - كما مر - وكانت تلك هي المرة الأولى بعد الاحتلال التي يتعرض فيها متعرض لذكر 8 آذار . كذلك جاءت الآن ذكرى اليوم الآخر المعاكس ليوم 8 آذار ، اليوم الذي هدم فيه استقلال سوريا في ميسلون يوم 24 تموز . وكان أديب التقي قد نظم بعد معركة ميسلون نشيدا رمزيا لتحية هذه الذكرى ، لم يذكر فيه اسم ميسلون ولا اسم يوسف العظمة ، بل جعل عنوانه أمين الشهيد ، فيه وصف لمعركة وقتال واستشهاد رجل أطلق عليه اسم أمين ، وجاء في ختام النشيد : وصى رفاقه وحياهم تحية الحزين يقول أما قدر الله وعدتم سالمين قولوا لأهلي قد قضى تحت القنابل « أمين » قضى شهيدا غازيا قد أدرك الفوز المبين