حسن الأمين

263

مستدركات أعيان الشيعة

يفعل كل ذلك دون أن يثير ريبة المستعمرين أو يلفت أنظارهم لما يريد فيبطشوا بالمفيد ! ولقد كان للمفيد وسعيد حيدر ما أرادا وخرج مقالة في صباح 8 آذار قطعة أدبية رائعة وجذوة وطنية لاهبة ملهبة ! . وكرمت دمشق بلسان سعيد حيدر وقلمه ، كرمت ذكرى 8 آذار أنضر تكريم وأزكاه ، أعنف تكريم وأقساه ، كرمت هذه الذكرى لأول مرة بعد ثلاث سنين من دخول الفرنسيين دمشق وسيطرتهم على الوطن ! . كرمتها بالرمز والتلميح ، لأنها لا تستطيع البوح والتصريح ! . وأذكر أن سعيد حيدر ختم مقاله بهذين البيتين لمهيار الديلمي : اذكرونا مثل ذكرانا لكم رب ذكرى قربت من نزحا واذكروا صبا إذا غنى بكم شرب الدمع وعاف القدحا لم تكن مقالات سعيد حيدر وحده هي التي تضج بها المفيد ، بل كانت كذلك مقالات أخيه يوسف حيدر ومقالات نجيب الريس الذي اكتشفته المفيد وقدمته لقرائها محررا ناشئا ، وعهدت إليه بان يكتب كل يوم ( حديث اليوم ) . ولا ننسى أن أرواد كانت قد جمعت بين سعيد حيدر والفتى الناشئ نجيب الريس ! . وإذا كانت مجلة العرفان أول مجلة أكتب فيها ، فقد كانت المفيد أول جريدة أسطر فيها بعض الكلام ، لم يكن ما كتبته فيها مقالا ، بل كان تعليقا محدود السطور على بعض تصرفات الجنود الفرنسيين ! . ثم يدور الزمن وتقوم الثورة السورية ويهاجر سعيد حيدر فيمن هاجر من الرجال فرارا من مطاردة الفرنسيين بعد أن كان من أكبر المسؤولين عن قيام الثورة ، ثم تلجئه الأقدار إلى اسطمبول في حياة من أقسى ما يمكن أن يمر على إنسان . ويصبح نجيب الريس يوما من الأيام ألمع صحفي سوري ويستقل بجريدة القبس ويطلع كل يوم على القراء بمقاله الافتتاحي مختوما أبدا ببيت من الشعر . ويلاحظ قراء القبس بين فترة وأخرى أنهم يقرؤن فيما يقرؤن في مواضيع القبس رسالة صادرة من اسطمبول متوجة بهذه العبارة : بقلم مكاتب كبير . ولم يكن المكاتب الكبير سوى سعيد حيدر المحكوم من جديد بالاعدام من الفرنسيين ، والعائش شريدا في اسطمبول عيشا لا أمر ولا أنكد ولا أكثر شظفا منه ! . . ( 1 ) الاتحاد السوري كان تقسيم سوريا إلى خمس دول مهزلة من مهازل الاستعمار أقدم عليها الجنرال غورو إمعانا في الارهاق والتمزيق وتشتيت القوى . وقد كانت أهزل من أن يقبلها عقل إنسان ، أو يقرها مجتمع متحضر ! . وقد أدرك غورو بعد حين الأبعاد الحقيقية التي تصم فعلته أشنع الوصمات ، فحاول أن يتلافى ذلك فاصدر في الثاني والعشرين من حزيران سنة 1922 قرارا بإنشاء اتحاد بين دول ثلاث من دول سوريا ، هي دولة دمشق ودولة حلب ودولة العلويين ، وكان لواء اسكندرون يدخل ضمنا مع هذا الاتحاد باعتبار ارتباطه بدولة حلب . واستثنى غورو دولة جبل الدروز من الدخول في الاتحاد . وظل الأمر كذلك حتى سافر غورو إلى فرنسا في تشرين الثاني سنة 1922 وحدثت في فرنسا أحداث أدت إلى استقالته . وظلت المفوضية الفرنسية بلا مفوض حتى أوائل نيسان سنة 1923 حيث عين الجنرال ويغان مفوضا جديدا ، فوصل بيروت في التاسع من أيار 1923 . وفي الخامس من كانون الأول 1924 أصدر ويغان قرارا بالغاء الاتحاد السوري وإعلان الوحدة بين دولتي دمشق وحلب وأخرج منها دولة العلويين . وجاء دمشق وخطب في ( المنشية ) في حفل عام معلنا الوحدة ، متبسطا في خطابه ممنيا ، وملمحا إلى الأمجاد العربية السالفة . ويتناول سعيد حيدر الخطاب في جريدة المفيد تحليلا وتفنيدا في سلسلة مقالات بعنوان : ( الجنرال يتكلم ) وبتوقيع ( س . . . ) . مع الجنرال ويغان وكان لي حادث طريف مع الجنرال ويغان ، ذلك أنه دعي إلى زيارة جبل عامل عندما كنا نقضي الصيف في شقرا . وحشدت لهذه الزيارة جماهير الناس مشاة وفرسانا على أن يكون اللقاء على ينابيع رأس العين في صور حيث يتناول هناك طعام الغداء . فذهبت مع الذاهبين فارسا مع فرسان من بني عمنا ، حيث قضينا ليلتنا في صور ، وكنت قد بيت أمرا أردت أن أكسب فيه هذه المناسبة التي حشر فيها الناس حشرا في حيث لا يصح أن يحشروا ، أردت أن أكسبها فيه معنى يزيل ما في هذا الاحتشاد من تزلف واستخذاء ! . وكنت خلال متابعتي الدراسة في المدرسة العلوية قد أخذت شيئا من اللغة الفرنسية . فكتبت كلمة باللغة العربية ضمنتها مطالب معينة هي من صميم حاجة البلاد ، وأشرت إلى ما تشكوه البلاد من حرمان وجور . وذهبنا في الليل إلى صيدلي في صور أو طبيب ، مما لا أتحققه الآن ، وطلبنا إليه أن يترجم لنا هذه الكلمة الموجزة إلى اللغة الفرنسية . فلما قرأها قال : أنا أخجل بلغتي الفرنسية أمام الجنرال ، فانا لا أتقن الترجمة الصحيحة الفصيحة ، فقلنا له : لن تكون أنت مسؤولا عن الترجمة ، بل هي ستنسب إلي ، فاستجاب لنا . وقضيت الليل في حفظ النص الفرنسي عن ظهر قلب ، ثم تابعت ذلك في الصباح . ومضينا إلى رأس العين مع الماضين ، وهناك كان الحشد الكثيف ، وقد أعدت مائدة للجنرال وحاشيته وبعض الرسميين . ولم يكد يجلس الجنرال على المائدة ، حتى تقدمت الصفوف إلى أن صرت غير بعيد عن مجلسه ، فأثارت هذه الحركة انتباهه وانتباه الناس كلهم ، وحاولت أن أتكلم . فإذا بي قد أنسيت النص الفرنسي الذي قضيت الليل والصباح في استظهاره ، ولم يفتح الله علي منه بكلمة ! .

--> ( 1 ) وكانت المرة الأولى التي حكم فيها سعيد حيدر بالاعدام هي [ اتر ] اثر دخول الفرنسيين دمشق فاضطر للفرار ، ثم شمله العفو العام الذي أعلنه الفرنسيون . فعاد إلى دمشق فلم يلبث أن حكم بالسجن في أرواد . ثم عاد إلى دمشق فلم يلبث أن كان النافخ في شرارة الثورة السورية لتتاجج ضراما عارما ، فيحكم بالاعدام من جديد !