حسن الأمين

259

مستدركات أعيان الشيعة

استقبال جماهيري صاخب ، إذا كان قد أعده المتملقون ، فإنهم على كل حال قد نجحوا في إعداده النجاح الذي لم يكونوا يحلمون به . ولا أستطيع الآن أن أصف حقيقة شعور الجماهير لأنني لم أكن يوم ذاك في وعي يمكنني معه الاحساس بما يحمله الشعب من إحساس حقيقي . ولكنني أذكر تماما أن وزارة علاء الدين الدروبي التي تألفت بعد يوم ميسلون ، والتي أصبحت تحكم البلاد في ظل الفرنسيين ، أذكر أنها جوبهت بأول ثورة عليها وعلى الفرنسيين . ولم تكن هذه الثورة من صنع دمشق ، ولا من صنع غيرها من المدن الكبرى ! . لقد كانت تلك الثورة ثورة القرى والأرياف ، وبالتحديد ثورة حوران . فان صدى الاحتلال ، وصدى انهيار الاستقلال كان مدويا في حوران ، لا سيما وأن الملك فيصل كان قد تركز أولا في الكسوة على الطريق الموصل إلى حوران ثم في درعا عاصمة حوران . وربما لاح له في ذلك الوقت أن يتخذ من موقعه هذا قاعدة لقتال الفرنسيين . ولكن طيارات الفرنسيين أنذرت بمناشيرها الحورانيين بما سينالهم من شر إذ استجابوا لفيصل . وكان أن صمم فيصل على التوجه إلى حيفا ثم أوروبا . ولكن غضبة ( الحوارنة ) لم تسكن وثورتهم لم تهدأ ، فأرسل الفرنسيون رئيس الوزراء علاء الدين الدروبي ووزراءه لاقناع ( الحوارنة ) بالاستلام فكان الجواب قتل علاء الدين الدروبي وبعض وزرائه ونجاة من نجا بالاختباء في شر مختبا . واستطاع وزير الداخلية عطا الأيوبي الفرار ولكن إلى حيفا لا إلى دمشق . كان الوفد مؤلفا من كل من رئيس الوزراء علاء الدين الدروبي وعبد الرحمن باشا اليوسف رئيس مجلس الشورى وعطا الأيوبي وزير الداخلية والشيخ عبد القادر الخطيب والشيخ عبد الجليل الدرة . وبوصولهم إلى محطة خربة الغزالة التي تبعد عن درعا خمسة وعشرين كيلو مترا ، انقض على القطار جمع تتعالى أهازيجه ويرتفع حداؤه فخيل للوفد أن الجمع جمع استقبال وتحية ، ثم لم يلبثوا أن أدركوا الحقيقة فحاول الدروبي الاحتماء بين ركاب الدرجة الثالثة ولكنه اكتشف فقتل ، وفر عبد الرحمن اليوسف إلى دار المحطة فعرف وقتل أيضا ونجا الآخرون متوارين فارين . . فجردت السلطة حملة على حوران قضت على الثورة بعد التخريب والتقتيل وفرضت غرامة باهظة . جرى ذلك في محطة خربة الغزالة التي كانت مقرا لفريق من التجار الدمشقيين الذين يبدو أنه كانت لهم مشاركة فعالة فيما جرى . وكانت ثورة حوران أول ما جابه الفرنسيين من تمرد وعصيان . وظلت أصداؤها تتجاوب في أذهاننا ونحن في تلك السن . وهذه الثورة هي صورة عن الفوضى التي كانت تتخبط فيها البلاد وانعدام التنظيم والتوجيه والتخطيط . فقد كانت البلاد كلها شعلة من الوطنية الثائرة على الفرنسيين ولكنها كانت كسفينة تتلاطمها أمواج المحيط بلا قائد ولا حكيم ولا مدير . فمنذ حل الفرنسيون فيما أسموه المنطق الغربية ، بدأت الاضطرابات الموضعية غير المرتكزة على قاعدة ثابتة مدبرة فكان يسهل على الافرنسيين إخمادها وتدمير أهلها كما حدث في حركات الجبل العلوي وجبل عامل وغيرهما ، قبل سقوط دمشق وكما حدث في ثورات الشمال وثورة الحوارنة بعد سقوطها فلو أن جميع هذه القوى ادخرت للساعة الحاسمة ، ساعة الصدام الذي لا بد منه مع المستعمرين لواجه هؤلاء قوى ضارية منظمة مترابطة تثور عليهم في وقت واحد يشغلهم في كل مكان ويريهم ثورة رهيبة لا يستطيعون ضربها بمثل السهولة التي ضربوا بها ما ضربوه . ويبدو أن أهل الحل والعقد كانوا حتى اللحظات الأخيرة يطمعون بنوع من التفاهم ويرون أن الأمور لا تنتهي إلى صدام مسلح ، فلم يعدوا للأمر عدته ولا واجهوه بتنظيم دقيق ولا كان لهم نظر بعيد . فبينما كانت الاضطرابات تعم المنطقة المحتلة بلا ترتيب ولا قيادة ، لم يفكر العسكريون في دمشق بفقدان السلاح وفقدان الذخيرة إلا في الساعات الأخيرة أو بالأحرى في اللحظات الأخيرة ! . فياسين الهاشمي الذي كان العسكري الأول آنذاك والذي كان معهودا إليه بالإشراف الكامل على شؤون الجيش وسلاحه . لم يعرب عن حقيقة تسليح الجيش إلا بعد وصول إنذار الجنرال غورو ، ثم انسحب من المسؤولية وآثر العزلة ! . يروي محمد علي العجلوني الذي كان شاهد عيان : أن ياسين الهاشمي صارح الملك فيصل في الساعات الأخيرة أن الجيش السوري لا يستطيع الثبات فنيا سوى بضع ساعات . ويروي يوسف الحكيم الذي كان شاهد عيان أيضا : أن الضباط أركان الجيش أبلغوا مجلس الوزراء أن العتاد الحربي لدى الجيش لا يزيد عن مائتين وسبعين طلقة لكل بندقية حربية وثمانين قنبلة لكل مدفع من المدافع السبعين . ولا أدري لما ذا لم يكتشف هؤلاء العسكريون هذا قبل آخر لحظة . ولما ذا لم تكن الحكومة قد درست أمر جيشها وهي في سعة من الوقت ؟ ! . منذ الساعات الأولى لقيام الحكم العربي الاستقلالي في دمشق اتجهت الأنظار إلى العسكري الأول بين العرب في ذلك الحين ياسين الهاشمي فعهد إليه بالشؤون العسكرية كلها . وكان أول ما عمله أن حل جيش الثورة الذي فتح دمشق وسرح ضباطه . دون أن يكون قد اعتمد خطة معينة واثقا من نجاحها لانشاء جيش جديد ، فبدأ التخبط العسكري منذ تلك الأيام . ثم اختطف الإنكليز ياسين الهاشمي بعد أن دعوه لتناول الشاي في مقر القيادة العسكرية في المزة وأرسلوه معتقلا إلى الرملة بفلسطين . فعلوا ذلك وهم يتهيؤون للجلاء عن دمشق ، بل قبل أن يجلوا بساعات . ثم أعادوه بعد بضعة شهور . وكان قد خلفه في القيادة العسكرية يوسف العظمة فكان له رأي - على ما قيل - يختلف عن رأي ياسين الهاشمي في الاعداد العسكري . ومهما يكن من شيء فان ياسين الهاشمي لم يتذكر أن يكشف على مستودعات أسلحة الجيش إلا في الأيام الأخيرة التي سبقت معركة ميسلون ، حيث رجعوا إليه في تولي القيادة فكشف على مستودعات السلاح