حسن الأمين

260

مستدركات أعيان الشيعة

وقال أن لا سلاح يعتد به لدى الجيش . ومن العجيب أنه طيلة سنتين اثنتين من 1918 إلى 1920 لم يتنبه أحد إلى حقيقة السلاح الموجود والسعي لإيجاد غير الموجود ! . تماما كما حدث العام 1948 حين صمم العرب على قتال الصهيونيين ثم اكتشفوا أنهم بحاجة إلى كل شيء ، بعد أن كانت قد سدت في وجوههم مصادر كل شيء ! . وظلت الأمور في تخبط بلا تخطيط ولا إعداد حتى جاء اليوم الذي لا يجدي فيه إلا العمل ، وكانت وسائل العمل في هباء . ومن العجيب أن أحدا لم يفكر منذ الأيام الأولى لجلاء الأتراك بالمستقبل البعيد وبإمكان الصدام مع الفرنسيين ووجوب الاستعداد لهذا الصدام ! . مع أن طلائع الصدام قد أتت منذ أول ساعة حين طرد الفرنسيون الحكام الوطنيين في الساحل وأسفروا عن مطامعهم في الساحل والداخل ! . ويبدو أن حال القوم يوم ذاك كان كحالنا اليوم ، كانوا يأملون بما اصطلحنا على تسميته ( بالحل السلمي ) ، ثم انتهى بهم الأمل إلى ما انتهى . ولا يزال فينا اليوم ( 14 تشرين الأول 1972 ) وبعد خمس سنوات من حدوث ما أسموه ( حرب الأيام الستة ) ، وبعد قيام المستعمرات في كل مكان فيما احتله اليهود بعد تلك الحرب ، وبعد تصريحاتهم العلنية الصريحة بأنهم باقون حيث هم ، لا يزال فينا من يطمع بالحل السلمي . اليوم كالأمس هذا ما وعته ذاكرتي من أحداث تلك الأيام وما انطبع فيها مما شاهدته بعيني ومما أمكن أن يعيه فكري الطفل . وقد عرفت بعد ذلك ، بعد أن أدركت ووعيت حقيقة ما جرى مما أجمله فيما يلي : أقبل قادة العرب من كل مكان إلى دمشق بعد الجلاء التركي . فبعضهم جاء مع فيصل كالضباط العراقيين والبعض الآخر توافد إليها لأنها أصبحت مقر العمل العربي ومطمح آمال العرب وقاعدة أول بقعة مستقلة في بلاد الشام وغير بلاد الشام بعد الحكم الأجنبي الطويل . فكان فيها رجال العراق ورجال لبنان ورجال الساحل ورجال فلسطين ( 1 ) ، كما كان فيها بعض من كان قد نزح إلى مصر من السوريين . والتقى الجميع بامال ضخمة وأماني بعيدة يحسبون أن ساعة الدولة العربية الكبرى قد دنت ، وأنهم مؤسسوها وباعثو رفاتها . كيف لا وجيشهم العربي الزاحف من قلب الحجاز هو المنتصر حليف المنتصرين ، وملء حقائبهم وعود مؤكدة ومواثيق وثيقة . كان العرب يعيشون تلك الأيام التي بدأت عام 1918 ثم انتهت يوم الرابع والعشرين من تموز 1920 أزهى أيامهم وأعذب أحلامهم . وكانوا في غمرة هذا الفرح لا ينظرون إلى البعيد ولا يحسبون حسابا للغدر والختل . ثم بدأت الحقائق تنجلي قليلا قليلا فالحاكم العربي الذي ذهب إلى بيروت ورفع علمه على صروحها عاد مطرودا من الفرنسيين ، وأنزل العلم ذليلا ! . . والحاكم الوطنيون الذين عينوا أنفسهم في مناطقهم الساحلية معلنين الاستقلال لم يلبثوا أياما بل ساعات ثم دحرجوا عن كراسيهم . وتقلص حجم الرقعة المستقلة حتى انحصر فيما عرف بعد ذلك باسم المنطقة الشرقية وهي لا تعدو دمشق وحمص وحماه وحلب وما يتبعها وينضوي إليها ! . ولكننا إذا نظرنا إلى العرب يوم ذاك نراهم في واقع هو أفضل ألف مرة مما صار إليه واقعهم المعنوي بعد ذلك . كان الحديث يوم ذاك عن العرب وعن القضية العربية والتوق كله إلى الوحدة الشاملة . ولم يكن للاقليمية مكان ! . فهذه بقعة صغيرة من بلاد الشام أميرها ثم ملكها حجازي ( 2 ) ورئيس برلمانها مصري لبناني الأصل ( 3 ) وقائد جيشها عراقي ( 4 ) ووزير داخليتها لبناني ( 5 ) ووزير خارجيتها فلسطيني ( 6 ) وحكام مناطقها وضباط جيشها مزيج من كل أرض عربية . لا يدور بخلد أحد أن يسال أحدا عن بلده أو أن يجد في ذلك موضعا لاستغراب ومكانا لتساؤل ! . أليس الجميع عربا ؟ . أليسوا كلهم رجال قضية واحدة فهم جميعا في أرضهم وجزء من وطنهم ؟ . ثم هذا الترفع عن الطائفيات وعدم النظر إلى دين الشخص أو مذهبه . فهذه أول حكومة عربية تقوم في البلد الإسلامي العريق دمشق وتشمل سيادتها الأرض السورية الداخلية التي لا يبلغ فيها المسيحيون 1 من 12 فتتكون من حاكم عسكري سني دمشقي هو رضا الركابي ورئيس للشورى الحربية سني بغدادي هو ياسين الهاشمي ورئيس للعدلية ماروني من دير القمر هو إسكندر عمون ورئيس للمالية أرثوذكسي من الشويفات هو سعيد شقير ورئيس للأمن العام أرثوذكسي طرابلسي هو جبرائيل حداد ورئيس للخارجية أرثوذكسي دمشقي هو توفيق شامية ورئيس للصحة بروتستانتي من مواليد عبيه هو موصلي باشا . خمس رئاسات أو بالأحرى خمس وزارات من سبع يشغلها مسيحيون ، أربعة منهم من لبنان وواحد من دمشق ( 7 ) ومحكمة الاستئناف المدنية التي تطبق مجلة الأحكام العدلية المستمدة من الشريعة الإسلامية ، محكمة الاستئناف هذه تتالف من ثلاثة قضاة كلهم

--> ( 1 ) كان الأردن جزء من سوريا . ( 2 ) فيصل . ( 3 ) رشيد رضا . ( 4 ) ياسين الهاشمي . ( 5 ) رضا الصلح . ( 6 ) سعيد الحسيني . ( 7 ) فور انسحاب الأتراك ودخول الجيش العربي بقيادة فيصل إلى دمشق تألفت أول حكومة عربية لم يسم أعضاؤها بالوزراء بل سموا رؤساء : رئيس العدلية ، رئيس الداخلية إلى آخره . وبعد تتويج فيصل تألفت الحكومة الدستورية وأطلق على أعضائها اسم الوزراء .