حسن الأمين

258

مستدركات أعيان الشيعة

إلى العمل - كما تقدم - وفي أماكن هذه التنزهات الصباحية نذكر اسم ( الأحد عشرية ) . الشارع واليهود من دخلة الشرفا كنا نخرج فإذا انتهى طريقنا القصير فيها فإننا في نهايتها ندور إلى اليمين فنفاجا أول ما نفاجا بدكان علي المبيض القائمة على الزاوية تماما في أول زقاق المدار ، فنراه واقفا في نقرة الدكان وتحت قدميه قدر من قدور النحاس التي يعهد إليه بتبييضها وهو يدور في القدر ضاغطا بقدميه فيه ليعود ناصع البياض ! وقد لا يكون الأمر أمر قدر بل أمر مواعين صغيرة فعند ذلك يعالجها بيديه ! . على أنه مهما كان الذي يعالجه ، وسواء كانت قدماه هما العاملتين أم يداه هما العاملتين ، فان شفتيه لا تتعطلان أبدا ، بل تشاركان في العمل دائما ، تشاركان إما القدمين وإما اليدين ، تشاركان لا بتبييض النحاس ، بل بالغناء الدائم المستمر ! . لقد انقضى عهد علي المبيض فيما أحسب وطوى الزمن قدور النحاس وآنية النحاس ! . وإذا كانت قدور ( الضغط ) وغير قدور الضغط قد حلت محل قدور النحاس ، واستغنى الناس عن ( المبيضين ) ، فمن ترى حل محل علي المبيض في دكانه الصغير في أول زقاق المدار ؟ . وأيا كان هو الذي حل محله ، فلا أحسب أن شيئا قد حل محل أغانيه ، أو صوتا يمكن أن يشغل النفس بمثل ما كان يشغلها صوت علي المبيض . . وبعد علي المبيض نجد أمامنا طريقين : طريقا على اليد اليسرى هو مدخل حارة اليهود ، حيث تتشعب هنا الأزقة والدخلات والدروب . أما طريق اليد اليمنى فهو طريق زقاق المدار المنتهي إلى الشارع ، وقد مر ذكر هذا الشارع دون تسمية ولم يكن له في تلك الأيام اسم ولم يكن معروفا إلا باسم الشارع ، فيقال مررت في الشارع وجئت من الشارع ، وذلك أنه كان الشارع الوحيد في تلك المنطقة ، إذا كان المقصود من الشارع ما شق حديثا ووسع فيه القديم . وأنا لا أعي شق هذا الشارع إذ أنه شق خلال الحرب وإنما أعي أنه كان لا يزال فيه بيوت متهدمة أطرافها لشق الشارع وكانت لم تبن بعد . ويبدو أنه كان زقاقا ضيقا وسعه الأتراك في أواخر عهدهم خلال الحرب ، وهو في صميم حي الخراب ، ولما كان شقه قد جرى خلال الحرب ، والناس في شاغل بفقرها وغربة شبابها ، فقد طال أمد إعادة تعمير ما تهدم من بنيانه ، وكان معظم المالكين من المسلمين الفقراء فاغتنم اليهود هذه الفرصة وأخذوا يشترون الدور المتهدمة ويعيدون بناءها بشكل حديث حتى عمر الشارع بهم وأصبحوا فيه كثرة . ولم يعد المسلمون يملكون إلا النزر القليل . أما ما تفرع عن الشارع ، فقد ظل على حاله ( دخلات ) متداخل بعضها ببعض ، وأزقة قديمة وبيوت عتيقة ظلت لأصحابها المسلمين . وكان أهم ما يتفرع عنه في وسطه ( القساطلية ) ، وكان من أبرز سكانها آل صندوق الأسرة العريقة بالذكاء والتقوى . والتي خرج منها في عصرنا مؤرخ وكاتب وشاعر مجيد هو الأستاذ أحمد صندوق وفقيه ألمعي أديب هو الشيخ محمد علي صندوق . وتتفرع عن الشارع دخلة معظم سكانها فرع من آل مرتضى يعرفون ببيت الحنفي كان أبرزهم السيد عباس الحنفي الذي كان على قسط وافر من الشهامة والذكاء وحسن الخلق وحلاوة الحديث وعذوبة المنطق ، وكان من أبرز عناصر ليلة الأربعاء و ( السيارين ) . سيطر اليهود على الشارع ، وكان هذا الشارع وسيلة الخروج بسكناهم من حارتهم القديمة ذات التعاريج والأزقة والدخلات على طريقة أزقة دمشق القديمة ، وأصبح يعج بهم في الأماسي لا سيما في ليالي السبت ، شبانا وشابات يتنزهون فيه . جيئة وذهابا ، بينما يجلس الكهول والشيوخ نساء ورجالا على أبواب بيوتهم . واستقووا بالاحتلال الفرنسي ، فكان الاحتكاك بينهم وبين أهل حارة الخراب مستمرا . وحاول مرة [ الحاخام ] الخاخام الأكبر أن يتودد لأهل الحارة ففاجأ والدي في أحد الأعياد برسول يشعر بأنه قادم على أثر الرسول لزيارة والدي وتهنئته بالعيد ولم يكد الرسول ينصرف حتى خرج والدي من البيت ، فجاء [ الحاخام ] الخاخام فلم يجد أحدا . وبالرغم من أن هذا التصرف كان جافا ، وكان متنافيا مع أخلاق والدي ، فقد كان لا بد منه في رأي الوالد ، لأن معنى قبول زيارة [ الحاخام ] الخاخام في العيد واستقباله في البيت أن الوالد سيضطر لمبادلته الزيارة في عيدهم ، ثم تتكرر الزيارات والاتصالات . وكان هذا عند والدي أمرا لا يمكن أن يقع ، في الوقت الذي كشفت فيه الصهيونية قناعها وأسفرت عن حقيقتها وكان اعتقاده أن كل يهودي صهيوني . وبعكس ذلك فقد كانت الزيارات متبادلة بين الوالد وبين بطريرك الأرثوذكس المجاور حيهم أيضا لحارة الخراب ، وكان البادئ بالزيارة البطريرك الكسندروس طحان مع لفيف من المطارنة وذلك عند عودة الوالد من إيران والعراق ، ثم بأدلة الوالد الزيارة في إحدى المناسبات وتكرر ذلك أكثر من مرة . واستمر الاحتكاك والتحدي بين اليهود وأبناء الحي وبلغ أشده حين أراد اليهود إطلاق اسم أحد كبار رجالهم على الشارع بالتفاهم مع الفرنسيين وألصقوا لوحة في رأس الشارع تحمل الاسم ، فاقتلعها ليلا أهل ( الحارة ) إلى أن جاء الحكم الوطني العام 1937 فتقرر تبديل اسم حي الخراب وإطلاق اسم حي الأمين عليه تكريما من الحكم الوطني لوالدي ، وتبعا لذلك أصبح اسم الشارع شارع الأمين . بعد الاحتلال كان دخول الفرنسيين دمشق وهدمهم الحكم الوطني الذي قام فيها صدمة رهيبة ناءت بها سوريا وقتا طويلا ، وصمت الناس على الاحتلال ومضى الزمن في مسيرته هينا لينا كان شيئا لم يحدث ، وكان الكارثة لم تكن بمثل هذا الروع . وحسب من حسب أن ما يسمى بالانتداب قد ركز دعائمه وأن التجزئة قد ثبتت . وأن سوريا العربية الباسلة قد قرت على الهوان ، وأن دولة دمشق ودولة حلب اللتين قامتا على أنقاض المملكة العربية السورية ، ودولة العلويين ودولة جبل الدروز قد استقر كيانها ! . . لا سيما وأن دمشق المتمردة قد تطامنت وألقت بيديها طائعة بعد ميسلون فرأى فيها غورو ما لم يكن يظن إنسان أن غورو سيلقى مثله من