حسن الأمين

257

مستدركات أعيان الشيعة

والمنقولة مع علب اللبن الخشبية الأسطوانية إلى مكان ( السيران ) حيث تكون وقعة دمشقية عريقة تتميز ملاحم دمشق وأفرانها بإتقان صنعها ! . هاتان هما الطريقتان الوحيدتان في صنع الطعام . أما جمع المال من الجميع بالتساوي للإنفاق على ( السيران ) فذلك ما ينكر فعله الدمشقيون ويتهمون به أهل حلب ويعيبونهم به . وإذا أشاروا إلى شيء من ذلك قالوا : ( عشرة حلبية ) . ويتنوع أصحاب ( السيارين ) فاما أن يكونوا أصحابا متجانسين على تباعد ما بين أعمالهم وطبقاتهم . وأما أن يكونوا مجموعة من أصحاب الدكاكين المتجاورين . أو مجموعة من أصحاب حرفة واحدة كتجار سوق البزورية أو تجار سوق العصرونية أو السكرية أو الرواسة ( بائعي رؤوس اللحم ) والحبالة ( بائعي الحبال ) وغيرهم ، هذا فضلا عن ( السيارين ) العائلية التي تضم البيت كله : رب البيت وربته وأبناءهما . وقد يدعو صاحب العمل عماله جميعا إلى ( سيران ) يضمه وأولاده مع عماله كلهم . وقد تقوم مدرسة كاملة بمديرها ومعلميها وتلاميذها ( بسيران ) يجمعهم جميعا . وقد يحدث أن يقوم أبناء حي بأكثرية رجالهم ( بسيران ) مشترك يضمهم كلهم معا . وفي هذه الحالات الثلاث وأشباهها لا بد من قضاء نهار كامل في السيران يمتد من الصباح إلى المساء . وكان الناس يستزيدون من طعامهم المنقول معهم إلى ( السيران ) لتوقع ضيف طارئ وليشركوا في طعامهم من يجدونه في البساتين - إذا كان السيران في بستان - من فلاحين أو ضامنين أو مرابعين في حين يتسابق هؤلاء في تقديم الألبان والفواكه والخضار لنزلائهم . وكثيرا ما يشتري الضيوف هذه الأشياء من هؤلاء وينقلونها معهم حبا بمنفعة أصحابها . على أننا ونحن في معرض الحديث عن ولائم السيران لا بد لنا من أن نشير إلى الولائم التي كان يولمها صاحب العمل في بيته لعماله جميعا ، وغالبا ما تكون في الشتاء فيقوم أهل بيته باعداد الطعام بأنفسهم لضيوفهم ويتولى صاحب البيت مع أولاده خدمة ضيوفهم . ثم يعد بعض الطعام ليرسل مع فقراء المدعوين إلى بيوتهم . سيران الربوة حتى إذا أمسى المساء في ( سيران ) الربوة ودخل الليل كانت مشاهد ( العربيات ) أي المركبات وهي تمضي إما قادمة من المدينة لتعود بأهل ( السيران ) ، أو ذاهبة بهم من الربوة إلى المدينة - كانت مشاهد ( العربيات ) بفوانيسها الضئيلة المتلألئة وأصوات أبواقها المتتابعة وبما تبعثه ضربات الحوافر ودوران العجلات من أصوات . كانت بكل ذلك - ونحن نطل عليها من عل - شيئا جميلا عذبا طالما سحرني في الربوة وأنا طفل وأنا يافع وأنا شاب ! . لقد زالت ( العربيات ) فيما زال من الأمور الدمشقية . تقاليد السيران ( والسيران ) هو من المظاهر الدمشقية المتميزة وكان الدمشقيون على اختلاف صنوفهم يعتبرونه جزء من حياتهم الرتيبة ، وقد يقومون به في الصباح مبكرين فيجتمعون ذاهبين إلى أحد المتنزهات القريبة حيث يحملون معهم طعام الصبوح فيتناولونه هناك تحت الشجر على ضفاف الماء ، لا سيما في أيام الربيع بين زهر المشمش المتفتح ، ثم يعودون إلى بيوتهم من ( الصبحية ) ثم يمضون إلى أعمالهم . وأكثر ما يكون ( السيران ) في الآصال حيث تلتقي المجموعات المتجانسة فتمضي كل مجموعة إلى مكان تقصده إما إلى بساتين الغوطة وما جاور دمشق من ماء ورياض أو في الربوة إما على ضفة الماء أو بعيدا حيث تختار مكانا مطلا على الوادي فتبسط على الأرض ما تحمله من مفارش وتمضي فيما يسليها من أحاديث أو ألعاب خفيفة وتظل هكذا حتى الساعات الأولى من الليل حيث تبدأ ( العربيات ) بنقل العائدين فتصل ( العربية ) إلى موقف تحت مكان جلوس جماعة السيران وتطلق ( مزمارها ) في طلقات متتابعة يعلم منها الجالسون أن عربيتهم قد وصلت ، ويكونون هم قبل ذلك قد هياوا أنفسهم للعودة ، إذ أن مجيء ( العربية ) يكون على ميعاد معين . هذا عن الذاهبين في ( العربيات ) أما الذاهبون مشيا على الأقدام فيملئون الطريق زرافات ووحدانا . وليس السير مشيا هو بقصد توفير المال دائما . بل كثيرا ما يكون زيادة بالاستمتاع بالطبيعة وإعمالا للرياضة الجسدية . وكان يتميز ( سيران ) جماعة الوالد بأنه لا بد فيه من إنشاد الشعر على الطريقة العاملية العراقية ، وكان إنشاد الجماعة محصورا تقريبا باديب التقي والشيخ علي الجمال ، وكان لا بد من نقل دواوين الشعر بين ما ينقل من أدوات السيران ولا بد من أن يكون بين هذه الدواوين ديوان الشريف الرضي ، وربما اقتصر عليه وحده . وأول ما سمعت شعر الشريف الرضي وأنا طفل ، إما في ليالي الأربعاء ، أو في ( السيران ) . ومع أن بين جماعة ( السيران ) كما في جماعة ليلة الأربعاء من هم شبه أميين ، فقد كانوا ذوي قابليات تستوعب ما تسمعه ولطول المران في ليلتي الأربعاء وفي ( السيارين ) أصبحوا يستحسنون الحسن من الشعر ويهتزون له ويطربون ! . أما ( سيارين ) الأعياد فإنها تستمر طيلة أيام العيد وتقصد إلى الأماكن البعيدة العامرة في الفيجة أو عين الخضرا أو الهامة أو دمر أو حتى الزبداني وقراها ، حيث يمكن المبيت هناك طيلة أيام ( السيران ) . . وفي أحد سيارين عيد الفطر صحبت الوالد وجماعته إلى عين ( الخضراء ) وكانت لا تزال على طبيعتها . ومضى الوالد في أحد الأيام مصعدا في الجبال وتبعه الأكثرون ثم بدأوا يتراجعون تعبا وفرقا ، ولم يصل إلى أعلى الجبل غيره وكان المساء قد دنا في العودة فلقي شدائد كثيرة . وحال المرأة في السيران كان كحالها في الأماكن العامة الأخرى بملاءتها وبرقعها الأسودين . إلا أن حضورها نزهات السيران كان قليل الحدوث . وعلى الرغم من غرام الدمشقيين بسيرانهم فان نساءهم كانت محرومة منه . ومن شدة غرامهم بالسيران كانوا لا يكتفون بنزهات العصارى والعطل ، بل أن فريقا منهم كان يجتمع للذهاب إلى السيران في الفجر الباكر قبل الذهاب