حسن الأمين
251
مستدركات أعيان الشيعة
2 - قبول الانتداب الفرنسي : إن هذا الانتداب يحترم استقلال أهالي سوريا ولا يناقض مبدأ الحكم بسلطة سورية تستمد قوتها من إرادة الشعب ولا يتضمن سوى معاونة بشكل مساعدة وتعاون مع الدولة المنتدبة دون أن يتخذ مطلقا شكل استعمار أو إلحاق أو إدارة تنفذ رأسا . 3 - قبول الورق السوري : تصبح هذه العملة وطنية في المنطقة الشرقية فتلغى جميع الأحكام المتعلقة بالبنك السوري في المنطقة الشرقية . 4 - تأديب المجرمين الذين كانوا أشد عداء لفرنسا . ( ويعدد الإنذار بعضهم ) . وهذه الشروط تقدم جملة ويجب قبولها جملة أيضا بلا أدنى فرق خلال أربعة أيام تبتدئ من نصف ليل 10 تموز ( أي 14 منه الساعة 12 ليلا ) وتنتهي في 17 منه الساعة 24 ( أي الساعة 12 ليلا ) . فإذا جاءني علم من سموكم قبل هذا الموعد بقبول هذه الشروط فيجب أن تكون قد صدرت أوامركم في الوقت نفسه إلى المراجع اللازمة لكي لا تعارض جنودي الزاحفة لاحتلال المواقع المعينة ، ثم أن قبول الشرط الثاني والثالث والرابع يجب أن يؤيد رسميا قبل 18 منه ، أما تنفيذها بالتمام فيكون قبل 31 منه الساعة 24 ( نصف الليل ) . وإذا كان سموكم الملكي لا يشعرني في الوقت اللازم بقبول هذه الشروط أتشرف بان أبلغه أن الحكومة الفرنسية تكون مطلقة اليد في العمل . وفي هذه الحالة لا أستطيع أن أؤكد أن الحكومة الفرنسية تكتفي بهذه الضمانات المعتدلة . ولا تقع على فرنسا تبعة المصائب التي تحل بالبلاد فهي قد برهنت على تساهلها من زمن طويل وفي الآونة الأخيرة . فحكومة دمشق هي التي تتحمل جميع أعباء مسؤولية فصل الخطاب الذي لا انظر إليه إلا آسفا ولكني مستعد له بمتانة لا تتزعزع . جماهير الحرب وأذكر الآن مناظر السناجق ( 1 ) مرفوعة أمام الجماهير ودقات الطبول التي اندفعت في الأزقة والشوارع تؤلب الناس ليتجمعوا للقتال . كما أذكر جماهير المتطوعين ذاهبة ( بعراضاتها ) إلى محطة البرامكة لتركب القطار الحديدي إلى أقرب محطة للجبهة الجديدة في ميسلون وهي ( الهامة ) حيث يواصلون السير من الهامة إلى ميسلون على أقدامهم . وكان يطيب لي مرافقة الذاهبين إلى المحطة باهازيجهم الحماسية وهتافاتهم المدوية . وقد ظلت صور بعض الوجوه منطبعة في ذهني فكنت أشاهدها بعد مر السنين في دمشق فاتذكر الزحف إلى محطة البرامكة . بعد معركة ميسلون ولا أعي ما جرى بعد ذلك تمام الوعي ، غير أنني أتذكر منظر رجال الشرطة وقد عصبوا زنودهم اليمنى بعصابات بيضاء مكتوب عليها كلمة « بوليس » وهم يتنقلون في الشوارع . وقد علمت بعد ذلك أنه بعد الهزيمة في ميسلون وانهيار الحكم الوطني وترقب دخول الفرنسيين دمشق كان لا بد من هذا التدبير ليظل رجال الشرطة محافظين على الأمن دون أن يثيروا ريبة الفرنسيين بلباسهم العسكري وسلاحهم من المسدسات . وكما شهدت زحف لجماهير إلى محطة البرامكة ، فإنني أذكر الاستقبال الفخم الذي أعده بقايا صنائع الأجنبي للجنرال غورو في دخوله إلى دمشق لأول مرة وكيف حشدوا لناس على مدخل دمشق وفي ( المنشية ) فدخل الجنرال دمشق دخول الفاتحين حقا تستقبله جماهيرها المكتظة ولم يكتفوا بذلك ، بل أن ( أبو شكري الطباع ) ورفاقا له فكوا خيول عربة الجنرال وجروا العربة بأنفسهم بدل الخيل . وكان الطباع يعتذر بعد ذلك بان قريبا له كان محكوما بالاعدام ، ورجا بهذا التصرف إنقاذه ! . كما أذكر منظرا من مناظر تلك الأيام ، وهي أننا كنا نسير مع والدي إلى دعوة على العشاء ، وأن واحدا سلم على والدي ثم انفرد به ناحية وأسر له بشيء ولما عاد الوالد كان وجهه يطفح بشرا على غير عادته في تلك الأيام الكئيبة . ولما انتظم المجلس في الدار المدعوين إليها أقبل خلال الليل رجل أسر للوالد بكلام أعاد إلى وجهه الكآبة . ثم علمت بان ما بعث البشر في وجهه أول الأمر هو أن الرجل أسر إليه بان الجنرال غورو قد اغتيل وهو في طريقه من دمشق إلى القنيطرة لزيارة محمود الفاعور شيخ عرب الفضل في الجولان الذي كان قد أعد له
--> ( 1 ) هذه السناجق كانت موجودة في كل حي وتوضع في أكبر مساجد الحي أو عند قبر ولي مدفون في الحي . ويبدو أن هذه السناجق تعود إلى العصر الأيوبي . ويتكون ( السنجق ) من قطعة قماش كبيرة جدا ذات بطانة . يحمل الواحد منها الرجل القوي في الحي من وسطها بعمود ويعينه في الحمل آخرون من اليمين واليسار بحبال ربطوها وسط العمود وأطراف ( السنجق ) لينتشر السنجق انتشارا كاملا فيقرأ الناس ، ما عليه من آيات وأدعية واستنفارات . وقد سرق معظم هذه ( السناجق ) ونقلت إلى بلاد الغرب .