حسن الأمين
252
مستدركات أعيان الشيعة
احتفالات حاشدة وأن ما أعاده إلى الكآبة في الليل هو أن الجنرال قد نجا من محاولة الاغتيال . في المدرسة العلوية بعد يومين أو ثلاثة من وصولنا إلى دمشق دخلت المدرسة العلوية ، وأحسب أني كنت في الصف الثالث الابتدائي ، وكنت على مستوى حسن مع طلاب الصف ما عدا شيئين اثنين هما اللغة الفرنسية والحساب . فقد كنت لم أدرس شيئا من الفرنسية كما أن موهبتي في الحساب كانت في منتهى الضعف فضلا عن معلوماتي . وقد كان علي أن أدرس أضعاف ما يدرسه التلاميذ في اللغة لأستطيع مجاراتهم وكان ذلك فوق الطاقة ، لذلك بقيت ضعيفا في اللغة متعبا في متابعة دراستها . أما الحساب فقد كانت مشكلته أعصى من أن تحل لأن فقدان الموهبة فيه لا يجدي معه أي درس أو تعب . ولا أزال أذكر أنه خلال بقية سني الدراسة الابتدائية كان يصادف درس الحساب أول ساعة من صباح يوم السبت . فكنت من هم التفكير في اليوم المقبل لا أستمتع باي استجمام في عطلة يوم الجمعة ، حتى إذا دنا أصيل الجمعة وبدأ النهار يتقلص وينقضي تراكمت علي مناعب التفكير في الصباح الآتي وما يحمله من درس الحساب ، فلا يكاد الظلام ظلام يوم الجمعة يطبق حتى أحس بأنه قد أطبق على نفسي . وقد ظللت حتى اليوم أتضايق من جمع عددين أو طرحهما أو قسمتهما أو ضربهما ولا بد من أن أقع في الخطا . وقد كان أكثر ما يخجلني هو أنني إذا دفعت أكثر مما هو المطلوب مني على أن يعاد إلي الباقي ثم حسبت ما أعيد إلي وجدته ناقصا وراجعت الدافع فيعاود العد فيجده صحيحا ! . . لذلك أصبحت لا أعد ما يعاد إلي ، أو ما يدفع إلي رأسا . وقد استغل هذا الأمر في نادل في أحد مطاعم بغداد حين أقمت فيها لفترة ، فقد لاحظ أني لا أعد ما يعيده إلي وتكرر ذلك ، فإذا بي أكتشف بعد حين أنه ينقص من حقي أشياء يحتفظ بها لنفسه ! على أنني إذا كنت مقصرا في الفرنسية والحساب متعبا بهما ، فقد كنت متقدما في اللغة العربية والتاريخ مستعذبا لهما مرتاحا إليهما . وكذلك في درس الهندسة . وقد كان يتولى إدارة المدرس العلوية في أول دخولنا إليها مدير تقليدي من قدامي الرجال ، وصدف أن مرض وتغيب ، فوافق تغيبه حادث حدث للأستاذ أديب التقي . إذ كان مديرا لمدرسة ( البحصة ) الابتدائية في دمشق . وكان الشعور العام معاديا للافرنسيين ، فانفجر هذا الشعور بين تلاميذه في أحد الأيام وساعد بتصرفاته على هذا الانفجار مما ساء السلطات فاقالته من إدارة المدرسة الحكومية . ثم انتهى الأمر إلى أن عين مديرا للمدرسة العلوية . فكان ذلك حدثا فريدا في حياة هذه المدرسة كما كان ذا أثر بعيد في توجيهي الدراسي والفكري . فانا مدين لاثنين في حياتي الثقافية هما والدي ثم أديب التقي . كان أديب التقي فذا في الرجال ، ذا خلق مستقيم وإدارة حازمة وفكر نير ، وكان إلى ذلك أديبا من أقوى أدباء العرب . وإذا كنت أستطيع أن أمسك القلم اليوم وقبل اليوم فان له في ذلك الفضل الكبير . لقد تولى بنفسه تدريسنا ثلاثة دروس : الإنشاء والمحفوظات والتاريخ . فكان لنا من دروسه الثلاثة هذه خير موجه في الأدب والوطنية والبحث . وقد وعيت بفضله - على صغر سني - أمورا ما كان لي أن أعيها لولا توجيهه . . لقد عرف بدرس الإنشاء كيف يثير فينا الحس الأدبي وكيف يسير بنا في دروب الكتابة ، وكيف يقوم أقلامنا ويثقف أسلوبنا . وعرف بنفس الدرس وبدرس المحفوظات والتاريخ كيف يثير فينا إلى جانب هذا كله الحس الوطني والثورة على الانتداب والنقمة على الغاصبين . لقد كنت متأثرا بمظاهر الثورة العاملية التي شهدت بعض فصولها خلال الإقامة في شقرا ، ثم ازددت تأثرا بمظاهر الاستقلال بدمشق ثم بمظاهر الهزيمة بميسلون وما تلاها من انهيار الاستقلال . ولكن ذلك لم يؤلف في ذهني صورة كاملة لمعاني الوطنية والثورة على الاستعمار فلم أكن في مثل تلك السن لأتبين حقيقة ما جرى وما يجري ولكنني في أعماقي كنت متأثرا بكل ذلك . فإذا باديب التقي يقدح في نفوسنا الشرارة الكامنة ويركز الصورة غير المتكاملة فتبدوا لنا جلية واضحة ! . جاءنا في أحد دروس الإنشاء في يوم مرت فيه في سماء دمشق طيارات فرنسية ، وكان مرور الطيارات في ذلك الحين يعتبر حدثا مثيرا . ولم تكن العيون والأفكار قد ألفت رؤيتها ، فإذا امتد الدوي المنذر بوصولها اشرأبت الأعناق إلى السماء لتتطلع بتعجب عميق إلى هذا الجرم السابح في الفضاء ، الراكض في السماء ! دخل أديب التقي علينا وطلب إلينا أن نكتب موضوعا عنوانه ( عند