حسن الأمين

250

مستدركات أعيان الشيعة

2 - سياسة حكومة دمشق العدائية : رأى سموكم الملكي إدخال أشخاص مشهورين بعدائهم لفرنسا في حكومة دمشق وكان تأثير المحيط شديدا عليكم حتى أنكم لم تتمكنوا من السفر في الوقت المناسب تلبية لدعوة مؤتمر الصلح ، وقد تألفت الوزارة من أناس من تلك الفئة التي لا تقتصر خطتها على إهانة فرنسا ورفض مساعدتها بل تتناول المجلس الأعلى الذي منح فرنسا الانتداب لسوريا . إن رفض انتداب فرنسا رفضا باتا في 18 أيار الماضي هو خطة عمياء تجر نتائجها المصائب على سوريا . 3 - التدابير الإدارية ضد فرنسا : إن التمتع الاقتصادي الظاهر في رفض ورق النقد السوري الجديد الذي أصدره البنك السوري لحساب فرنسا ومنع جميع المعاملات الشرقية هو دليل جديد على عداء مضر بمصلحة البلاد . وكذلك منع نقل الحبوب إلى المنطقة الفرنسية مبتدئا من حماه فدمشق فحلب ، ثم أن السلطة الشريفية اجتازت حدود المنطقة الشرقية وتقدمت تدريجيا داخل المنطقة لتظهر أنها توسعت توسعا يقصد به إخراجنا . ففي شهر آذار مارس وضع مخفر شريفي في الخالصة ثم رفع العلم الشريفي على القدموس بعد ذلك بقليل وفي نيسان جعلت حكومة حلب القصير قضاء شريفيا . ثم نصب قائم مقام شريفي في جسر الشغور . 4 - أعمال عدائية موجهة رأسا إلى فرنسا : إن من كان صديقا لفرنسا أو مواليا لها في المنطقة الشرقية يكون مشتبها به من السلطة ويعامل معاملة سيئة في أغلب الأحيان . ( وبعد أن يذكر الإنذار بعض الأمثلة يعود فيقول ) : وعدد سكان المنطقة الشرقية الذين أكسبهم عداؤهم لنا عطف الحكومة عظيم جدا . إن بث الدعوة ضد فرنسا في المنطقة الغربية قد ألبسته حكومة دمشق أشكالا خبيثة أرادت السلطة الفرنسية أن تغمض عينها عنها لأنها قررت اتباع سياسة التساهل إلى النهاية . وآخر هذه الأعمال وأظهرها شراء القسم الأعظم من أعضاء مجلس الإدارة باثنين وأربعين ألف جنيه مصري . ولقد ألقت مخافرنا القبض على هؤلاء الأعضاء في 10 تموز يوليو بينما كانوا ذاهبين إلى دمشق لبيع بلادهم منكرين الأماني التي أعرب عنها مواطنوهم بالإجماع تقريبا منذ عهد بعيد . إن صحافة دمشق التي تفرط الحكومة في شد أزرها تواصل دائما حملاتها على كل ما هو فرنسي وتقبح السلطة المحتلة في المنطقة الغربية وترد كل مساعدة تعرضها فرنسا على سوريا وتهينني أقبح إهانة . 5 - الاعتداء على الحقوق الدولية : بمقتضى هذه الحقوق يجب على قائد جيش الحجاز المحتل قطرا سوريا لا بد أن يظل عثمانيا إلى أن يقتضي تنفيذ المعاهدة بتغييره أن لا يعمل بغير هذه الصفة وأن يحافظ على الحالة الراهنة وهو حارسها . ولكنه تصرف عكس ذلك متخذا صفة السيادة العليا وقد تقرر التجنيد الاجباري ونفذ منذ كانون الأول سنة 1919 مع أن البلاد لا تزال بلادا أجنبية وهذا العبء الثقيل الذي لا يجدي نفعا قد أكره عليه الشعب حتى في المناطق التي لها شكل خاص كالبقاع . ونفذ في أناس مستثنين منه كاللبنانيين والمغاربة المقيمين في المنطقة الشرقية . ولاقى هذا التجنيد الباطل مقاومة نزيهة أدت في بعض الأحيان إلى إراقة الدماء . ثم أن المجلس الملقب بالمؤتمر السوري الذي تألف واجتمع بصورة غير قانونية يسن القوانين بل يحكم باسم حكومة ودولة لم يعترف بوجودها . وفضلا عن ذلك فقد قدم اللقب الملكي لسموكم الملكي بدون حق ولا وكالة مما وضعكم كما عبرتم عن ذلك في موقف التمرد على مؤتمر الصلح . ولم تحترم الامتيازات الأجنبية فان أحد رعايانا الأمير مختار الذي يمثل أسرة كبيرة اشتهرت منذ القدم باتصالها بفرنسا قد أوقف إيقافا معيبا . وليست الاتفاقات السياسية محترمة أيضا . فان لواء من الجيش الشريفي أرسل إلى مجدل عنجر رغم الاتفاق الذي تم في كانون الأول الماضي مع المسيو كليمنصو والذي يقضي أن لا تحتل في البقاع قوة شريفية أو فرنسية . 6 - الأضرار التي أصابت فرنسا وسوريا من ذلك : لم تستطع السلطة الفرنسية حتى الآن أن تنظم البلاد التنظيم الذي ننتظره منها لأنها اضطرت إلى صرف قواها وجهودها لقمع الفتن المتوالية ومواصلة المفاوضات السياسية الجدية العقيمة مع حكومة دمشق ، فهي والحالة هذه غير مسؤولة عن هذا التأخير بل تتحمل العبء العسكري والمالي الذي تقضي به الحالة التي أوجدتها حكومة دمشق ولا يمكن إلا أن تؤثر على التكاليف في الميزانية السورية سواء بفقد الدخل الذي ينشأ عن استمرار الفوضى أو الاشتراك في نفقات السيادة التي تلحق بها في المستقبل . ولقد بلغت حالة الفوضى التي أوجدها مثيرو الفتن في البلاد حدا دعا إلى استجلاب قوات كبيرة أعظم عددا مما يدعو إليه استبدال جنود إنكليزية وأن هذه الأسباب تدل دلالة كافية على أنه لا يمكن بعد الآن أن نعتمد على حكومة جاهرت فرنسا إبان السكينة بالعداء كل المجاهرة وأخطات نحو بلادها خطا عظيما بظهورها عاجزة عن تنظيمها وإدارتها . لذلك ترى فرنسا أنها مضطرة لأخذ الضمانات التي تكفل سلامة جنودها وسلامة السكان التي نالت من مؤتمر السلم مهمة الوكالة عليهم فاتشرف بان أبلغ سموكم الملكي أن هذه الضمانات هي كما يأتي : 1 - التصرف بسكة رياق - حلب الحديدية لإجراء النقليات التي تأمر بها السلطة الفرنسية ويؤمن هذا التصرف بان يراقب مفوضون عسكريون فرنسيون جميع ما ينقل في محطات رياق وبعلبك وحمص وحماه وحلب تعضدهم قوة مسلحة مخصصة للمحافظة على المحطة واحتلال مدينة حلب التي هي نقطة مواصلات هامة لا يسعنا أن نتركها تسقط في يد الترك ( 1 )

--> ( 1 ) كانت السلطات السورية قد رفضت أن تسهل للجنرال غورو استعمال السكة الحديدية لارسال القوات والمؤن والذخائر إلى كيليكية حيث كانت الجيوش الفرنسية مشتبكة في محاربة القوات التركية الكمالية ، وكانت نتيجة ذلك أن شعر الفرنسيون بحرج مركزهم في كيليكية فاتفقوا مع مصطفى كمال على الجلاء عنها واسترداد قواتهم منها ، ودفعوا بها فجاة إلى سوريا . ويروي بعضهم أن بعض الفئات كانت تدعو إلى تعاون سوريا وتركيا الكمالية لمقاتلة الفرنسيين حتى النهاية وحملهم على الاعتراف باستقلال سوريا ، وقد سافر يوسف العظمة وسعيد حيدر إلى إعزاز على الحدود التركية وتباحث كل منهما مع مندوبي الحكومة الكمالية في إنشاء تعاون عسكري بين الحكومتين ، فوعدوه بان يطلعوا حكومتهم على اقتراحاته ويبلغوه الجواب ، ولكن الهدنة التي عقدتها فرنسا مع الأتراك أوقفت المباحثات عند ذلك الحد . وقد كان امتناع الحكومة الوطنية في دمشق عن فتح السكة الحديدية أمام الفرنسيين للوصول إلى قتال الأتراك نابعا من الأصالة الوطنية العربية التي أبت مساعدة الفرنسيين على الأتراك المقاتلين في سبيل بلادهم . وتناسى العرب كل ما عانوه من فظائع الاتحاديين الأتراك خلال الحرب ورجعوا إلى ما يمليه عليهم شعورهم الوطني البحث متجاهلين حتى مصلحتهم في عدم إغضاب الفرنسيين . على أنني سمعت من رضا الركابي نفسه الذي كان في ذلك الحين رئيسا للوزارة الاستقلالية الأولى - سمعت منه بعد ذلك بسنين - أنه كان من رأيه التحالف مع الفرنسيين في هذا الموقف الذي تجمع فيه المصلحة بين الفرنسيين والعرب ، وأن لا مجال للعواطف أمام الحقائق . وأن حكومته استقالت لعدم الأخذ برأيه ، فخلفتها وزارة الأتاسي التي يتحدث عنها الجنرال غورو . ويبدو أن الأتراك استغلوا مفاوضة السوريين لهم فاطلعوا الفرنسيين على ذلك ، فكان أن تحالف الفريقان وانسحب الفرنسيون من كليكيا موجهين قواهم كلها لقتال السوريين . ولا شك أنه كان للتزاحم الانكليزي الفرنسي أثر في ذلك ، فان الإنكليز كانوا أعوان اليونانيين في غزوهم للأناضول ، فرد الفرنسيون بتأييد الأتراك .