حسن الأمين

249

مستدركات أعيان الشيعة

وقد أرفق الجنرال إنذاره برسالة ، يستهل بها الإنذار : يا صاحب السمو أتشرف بان أرسل مذكرتي المؤرخة 14 يوليو ، أقدمها إلى سموكم الملكي وأناشد أخلاقكم السامية ووطنيتكم الصحيحة وشعوركم الودي نحو فرنسا أن تقبلوها . لقد برهنت فرنسا من جهتها على إخلاصها لسوريا بقبولها لمهمة إرشاد الدولة الجديدة وقيادها بنزاهة . ولذلك أريد أن أظن أن سموكم الملكي سيصغي إلى صوت الحكمة في معالجة هذه القضية الخطيرة فلا يتضامن مع حكومة لا تمثل سوى الأحزاب المتطرفة من الشعب . ولا أفكر أنني قادر على أن أعول في تنفيذ الضمانات التي تشرفت بطلبها على سموكم إذا تولت ذلك الحكومة فبقاؤها في مناصبها ينطوي على معنى العداء لفرنسا وقد بذلت جهودها لجر بلادكم إلى الحرب وإلقائها في أتون بلاياها ولن يعصمها سوى تصرف سموكم الملكي وحده . وهذا نص الإنذار : « باسم الحكومة الفرنسية ، لي الشرف بان أعرض على سموكم الملكي لآخر مرة ، موقف هذه الحكومة إزاء السلوك الذي سلكته حكومة دمشق منذ مطلع هذا العام . « سادت السكينة سوريا إبان الاحتلال الانكليزي ولم يتعكر صفو الأمن ويبدأ الاضطراب فيها إلا لما حلت جنودنا محل الجنود البريطانية وقد أخذت هذه الاضطرابات تزداد من ذلك الحين . ولقد أثرت هذه الاضطرابات في رقي سوريا ونظامها السياسي والإداري والاقتصادي أكثر من تأثيرها في سلامة جنودنا وفي الاحتلال الفرنسي في المنطقة الغربية . فحكومة دمشق تحمل كل التبعة إزاء سكان سوريا الذين عهد مؤتمر الصلح إلى فرنسا بان تمتعهم بحسنات إدارة مؤسسة على الاستقلال والنظام والتساهل والثروة ، وأن أماني الولاء والتعاون التي أظهرتها فرنسا لسموكم بتأييدها حقوق السكان الذين يتكلمون العربية على اختلاف مذاهبهم ويقطنون القطر السوري بحكم أنفسهم كأمة مستقلة قد أجاب عليها سموكم معترفا بان لسكان سوريا مصلحة كبيرة في طلب المشورة والمساعدة من دولة كبيرة لتحقيق وحدتهم وتنظيم شؤون الأمة نظرا للتضعضع الذي أصاب البلاد من الارهاق التركي والأضرار التي نتجت عن الحرب ، وتلك المشورة والمساعدة ستسجلها عصبة الأمم عندما تتحقق بالفعل . وقد دعا سموكم الملكي فرنسا إلى القيام بهذه المهمة باسم الأمة السورية . ولما كنتم تفاوضون الحكومة الفرنسية في شهر يناير الماضي وكانت العصابات الخارجة من دمشق تجتاح المنطقة الغربية أرسل إلي مسيو كلمنصو البرقية الآتية : « عندما بلغني خبر هجوم البدو في جنوب سوريا وشمالها قلت للأمير فيصل أنني اتفقت معه مؤقتا على بعض المبادئ وأنني أحافظ أتم المحافظة على كلامي ولكن يجب أن يقابل خطتي هذه بمثل ما فيها من الإخلاص وأن يجعل سلطته محترمة على أنصاره فإذا لم ينفذ هذان الشرطان تنفيذا دقيقا فالحكومة الفرنسية تستأنف العمل بحرية وتستعمل القوة لتأييد النظام واحترام الحقوق التي لها من المؤتمر » . والبيان الآتي يوضح جليا كيف أن حكومة دمشق لم تنقطع عن انتهاج خطة معادية ومخالفة تمام المخالفة لسياسة التعاون التي رمى إليها رئيس الوزراء وتعهدتم بتطبيقها . 1 - عداء جلي على قواتنا : إن إصرار حكومة دمشق على رفض السماح للسلطة الفرنسية باستعمال سكة رياق - حلب الحديدية هو عمل عدائي بحت . فالحكومة لا تجهل أن تلك السكة لا بد منها لإعاشة إحدى فرقنا الفرنسية في الشمال وتمكينها من القتال وهذه الفرقة تقاتل قوات معادية تابعة لتركية التي انتزع الحلفاء الظافرون سوريا من ربقتها ودفاعا عن حدود حكومة سوريا الجديدة التي يجب أن تربطنا بها روابط المصلحة وعرفان الجميل . أن حكومة دمشق هي التي وضعت مبدأ تنظيم العصابات واستخدامها ضد جنودنا المحتلة . وهذا المبدأ أعلنه قائد الفرقة الثالثة في حلب صراحة يوم 13 ابريل بالقول الآتي : « لما كنا لا نستطيع أن نعلن الحرب رسميا على الفرنسيين يجب علينا أن نملأ البلاد بالعصابات التي تجهز عليهم تدريجيا وسيقود ضباطنا هذه العصابات فإذا استشهد أحدهم تعيل الحكومة عائلته » . وإليك الأدلة الآتية على دقة تنفيذ هذه الخطة : في 13 كانون الأول ديسمبر سنة 1919 هوجم موقعنا في تل كلخ بتحريض السلطة الشريفية في حمص وفي أواخر ذاك الشهر ذبح بدو محمود الفاعور الذي قلتم لي يا صاحب السمو الملكي أنه صديقكم الشخصي مسيحيي مرجعيون وهجم على جنودنا في 14 يناير رافعا العلم الشريفي . وفي 25 منه سنة 1920 تحقق وجود الجنود الشريفية بين الذين هاجموا جنودنا تحت قيادة ثريا بك ( بركات ) في قريق خان ثم في الحمام . وفي حزيران - يونية ثبت وجود أمير الآي ويوزباشي وستة ملازمين و 317 رجلا من الجيش الشريفي بين العصابات التي كانت تعمل في ساحة مرجعيون وثبت استعمال معدات مأخوذة من الجيش نفسه وهي أربعة رشاشات ثقيلة وثلاثة خفيفة وخمسون صندوق ذخيرة وظهر أيضا اشتراك محرضي المنطقة الشرقية في الاضطرابات التي امتازت بمذابح ( عين إبل ) وفتنة الشيعة في شهر حزيران - يونيو . ثم أن منظمي العصابات محترمون كل الاحترام في دمشق لا سيما صبحي بركات الذي لا يجهل أحد إساءته إلينا . وعند ما لم تكن العصابات ترسل من المنطقة الشرقية كانت الفتنة تثار في المنطقة الفرنسية ذاتها . وبهذه الأعمال وقعت اعتداءات عديدة على المسيحيين لا سيما في جسر القرعون في 29 كانون الأول - ديسمبر حيث تقع التبعة على الضابطين الشريفيين واجد بك وتحسين بك . . وقد سوعد الشيخ صالح ( العلي ) بطل الفوضى والبغضاء لنا مساعدة مؤثرة مستمرة في جبال النصيرية . ومن الممكن تعداد كثير من هذه الأمثلة وقد عرضناها على سموكم الملكي في حينها .