حسن الأمين

248

مستدركات أعيان الشيعة

محن وأرزاء ونكبات وتجارب فان كلمات المسؤولين هي نفس الكلمات وتعهداتهم هي نفس التعهدات وحماستهم نفس الحماسة ! . ثم النتيجة نفس النتيجة ! . إنك . حين تقرأ هذا البيان وتعيد قراءته وتنسى تاريخ صدوره وموضوع صدوره ، إنك لتحسب أنه واحد من هذه البيانات التي اعتدت قراءتها بعد مؤتمرات القمة أو بعد اجتماعات وزراء الخارجية أو وزراء الدفاع أو رؤساء الأركان . بل أنك لتحسبه صادرا بعد هزيمة حزيران وما أسموه بحرب الأيام الستة ، ويخيل إليك أنه يتحدث عن قرار مجلس الأمن والتمسك به والخوف من معارضته ! . . والحرص على كسب الرأي العام العالمي بتبني السلام ! . والتشبث بالكلمات اللينة التي تصدر من هنا وهناك ! . . أليس البيان يتضمن الإصرار على ( الإبقاء على علاقة الصداقة مع الحلفاء وخاصة مع فرنسا وبريطانيا ) في حين أن بريطانيا كانت تحتل العراق وتقاتل أهله ، وكانت قد وهبت فلسطين لليهود ! . . وفرنسا هي التي تحشد جيوشها للقضاء على الاستقلال ! . . تماما : كما ظل يعلن اليوم رجالنا عن حرصهم على صداقة أمريكا ، وكما يدعو من يدعو فينا على التشبث بهذه الصداقة ! . . ثم أليس يعلن البيان عن التعلق بالأوهام والاستبشار بكلمة وهمية صدرت من قوي ؟ . . أليس يقول البيان : ( . . . أعلمتنا بريطانيا بطريقة شبه رسمية ، بأنها تعترف بصاحب الجلالة فيصل ملكا على سوريا ) ! . . في حين . كانت بريطانيا تتامر مع فرنسا على اقتسام التركة ، بعد وأد الاستقلال ، فأخذت بريطانيا ما عرف باسم شرق الأردن ، وأخذت فرنسا الباقي ! . . ثم ألا يعلن البيان تمسكه بقرارات مؤتمر سان ريمو ، تماما كما نعلن اليوم تمسكنا بقرار مجلس الأمن ، في حين أن أس البلاء كان في قرار مؤتمر سان ريمو ! . ثم ألا يعلن البيان ثقته بان المفاوضات تحل المشكلات ! . أي كما نأمل اليوم بما أسميناه ( الحل السلمي ) ! وألا يعلن البيان تعجبه واستنكاره مخالفة الجنرال غورو لروح القرارات المتخذة في سان ريمو ! . . كما نعلن اليوم تعجبنا واستنكارنا لمخالفات إسرائيل لا لروح القرارات المتخذة في هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ، بل لنصوصها الصريحة ! . . وأخيرا : ألا تعجبك هذه الحماسة المعبرة عن العزة القومية الواجبة في الشعوب : إننا على أتم الاستعداد والتصميم للدفاع عن شرفنا وحقوقنا بجميع القوى التي أنعم الله علينا بها ! ! . هذا التعبير الذي يبدو أن سياسيينا منذ سنة 1947 حتى اليوم قد استعاروه بنصه وروحه ! . . لا سيما بعد 5 حزيران وحرب الأيام الستة ! . . في الوقت الذي كانت حكومة الاستقلال تلقي هذا البيان ، كانت البلاد غارقة في فوضى لا مثيل لها . ولم يكن أحد يفكر في إعداد خطة المواجهة ، ولم يكن أحد يفكر بان فرنسا قد خرجت من الحرب هازمة لألمانيا ، وأنها لا تقاوم بالبيانات ، بل لا بد من الاعداد والتفتيش عن السلاح لا في ساعة وقوع المعركة ، بل قبلها بسنين ! . . وأن كل ذلك يقتضيه إخلاص لا حد له ، وعقول كبيرة وأنظار بعيدة ، ترسم وتخطط وتنفذ ! . . وهذا ما كان العرب يوم ذاك - كما هو اليوم - بعيدين عنه كل البعد ! . ويظهر أنهم سيظلون بعيدين عنه إلى وقت لا يعلمه إلا الله ! . العاصفة صبيحة أحد الأيام جالت في سماء العاصمة طيارة فرنسية وألقت على المدينة ألوف المنشورات التي لا أزال أذكر تناثرها من الطائرة وتهاويها في الفضاء هابطة إلى الأرض . وكان في تلك المنشورات تثبيط للعزائم ممزوج بالتهديد والوعيد . وكنا بعيد وصولنا إلى دمشق قد انتقلنا إلى منزل مؤقت في أقصى الصالحية بسفح الجبل لأن إصلاحا كان يجري في منزلنا في حي الخراب . وكنا مساء كل يوم نمضي إلى الصالحية للمبيت . وأذكر أننا لم نكد نتجاوز جسر بردى وننطلق صاعدين إلى الطريق الموصل إلى مداخل الصالحية ثم نصل إلى المستشفى العسكري حتى رأينا هرجا ومرجا وسمعنا طلقات الرصاص مما استحال معه دوام السير إلى الصالحية فابنا راجعين . ولم أكن أعي تماما حقيقة ما يجري . ولما وعيت بعد ذلك بسنين علمت أن الأمر كان ثورة جامحة اضطرمت على أثر ما علم الشعب أن الحكومة القائمة اضطرت لقبول الإنذار الفرنسي الموجه إليها من الجنرال غورو والمحتوي على مطالب كثيرة منها تسريح الجيش المرابط في مرتفعات مجدل عنجر ، فسرح الجيش وعاد أفراده بسلاحهم إلى دمشق معلنين حقيقة ما يجري . فثار الشعب دفاعا عن الاستقلال وانطلقت جموعه تهاجم مستودعات الأسلحة وأهمها داخل القلعة ووقع الاشتباك بين الشعب وحكومته ! . ولكن الفرنسيين ادعوا عدم وصول جواب حكومة دمشق في الوقت المحدد فواصلوا زحفهم إلى دمشق التي لم يكن احتلالها من بين المطالب الفرنسية المشتمل عليها الإنذار . لما رأت حكومة دمشق ما يجري عادت فقررت المقاومة لئلا تتيح للفرنسيين دخول دمشق دخولا سلميا دون دفاع . . نص الإنذار ننشر فيما يلي نص الإنذار الذي وجهه الجنرال غورو باسم فرنسا إلى الملك فيصل لا باعتباره ملكا لسوريا ، بل باعتباره أميرا حجازيا يقود جيشا من جيوش الحرب ويحتل جزءا من البلاد المفتوحة ، ونلاحظ أن الجنرال يسمي الجيش العربي السوري بالجيش الشريفي نسبة إلى اللقب الأول الذي كان يطلق على الملك حسين وابنه الملك فيصل ، كما يسمي الحكومة بالحكومة الشريفية بهذا الاعتبار نفسه ، أي أن فيصلا هو الشريف فيصل ابن الشريف حسين وليس له إلا هذه الصفة .