حسن الأمين

247

مستدركات أعيان الشيعة

قبل حوالي شهر من إرسال الإنذار ( 14 تموز 1920 ) . « أيها السادة . إننا نعتبر بأنه من واجبنا أن نطلعكم على الحالة في هذه الساعة الحرجة . إنكم تعلمون أن سياسة الوزارة كانت وما زالت أساسا لعملنا كما أنكم تعلمون أن هذه السياسة التي وافقتم عليها تتضمن الإبقاء على علاقات الصداقة مع الحلفاء وخاصة مع فرنسا وبريطانيا . وأن عملنا الدائم كان تحقيقا لتلك الرغبات التي أبدتها البلاد بواسطتكم . لقد بوشر بالمفاوضة ، واستمرت على أحسن الشروط . وكما تعلمون تلقينا قرار مؤتمر ( سان ريمو ) الذي يعترف بان سوريا تؤلف دولة مستقلة ، كما أعلمتنا بريطانيا - من جهة أخرى - بطريقة شبه رسمية ، بأنها زيادة على ذلك تعترف بصاحب الجلالة فيصل ملكا على سوريا . لقد قررنا في هذه الأوقات أن نرسل بعثة إلى أوروبة لإتمام المفاوضات والحصول على حل نهائي طبقا لرغباتنا الوطنية ، كما أن رغبتنا أيضا أن نثبت للعالم وللدول بأننا لا نعادي أحدا ، ولا نعارض قرارات مؤتمر الصلح ، بعد أن تعهد بالمحافظة على شرفنا واستقلالنا . لقد أبدى صاحب الجلالة رغبته بان يتوجه بنفسه إلى أوروبة ، ليحصل على حل سريع للقضية ، وبفضل الاحترام الذي يتمتع به لدى رجالات الدول المتحدة ، فإننا على ثقة تامة ، وأمل مكين بان نزف قريبا إلى الشعب أخبارا سارة . ولكن فجاة برزت الحالة الخطرة الحاضرة التي نبسطها لكم . أراد الجنرال غورو لأسباب نجهلها أن يغتنم مناسبة حشد جيوشه لكي يعارض ، أو يمنع سفر صاحب الجلالة . فأبلغ مندوبنا بعض الشروط التي قال أنه يريد أن يطلبها منا والتي لم نتسلم نصها الرسمي حتى الآن ولذلك لم نتمكن من أن نبلغكم إياها ولا أن نعتبرها رسمية ما لم نتبلغ نصها المكتوب رسميا . إن بعض هذه الشروط هي على كل حال مخالفة ليس فقط لرغبات البلاد وتصميمها الثابت على الاستقلال ، ولكنها مخالفة أيضا لروح القرارات المتخذة في ( سان ريمو ) وللتعهدات الموقعة من فرنسا لأن في قبول هذه الشروط تقويضا لسيادة البلاد واستقلالها من أساسه التي اعترفت بها الدول في سان ريمو . حشد الجنرال غورو جيوشا على حدود المنطقة الشرقية لجهتي الشمال والغرب ومن المحتمل أن يكون هذ الاجراء دعما للطلبات التي تقدم بها ، والتي لم يصلنا نصها الرسمي ، كما سبق وقلنا هذا عدا عن أنه أرسل جيوشا فرنسية إلى رياق . ولقد أبلغ حاكم زحلة العسكري قائد قواتنا في رياق : بأنه احتل عسكريا هذا المركز ، كما أن الجنرال غورو أعاد إقامة القوة الفرنسية التي احتلت معلقة زحلة في السنة السابقة ثم من جهة أخرى أبلغنا الكولونال كوس باسم الجنرال غورو بأنه احتل المركزين المذكورين بسبب وجود قواتنا في ( مجدل عنجر ) . ولكن من المعلوم أن مركز مجدل عنجر كان أقيم للمحافظة على الأمن العام في الجوار منذ بدء الاحتلال وأنه عزز أخيرا بعد حشد الجيوش الفرنسية على حدودنا . وعليه اعترضت حكومتنا على هذه التدابير التي اتخذها الجنرال غورو ، والتي لا تتفق مع التحالف وطالبت بعرض المسألة على الدول أولا . كما أننا نعلن الأمة والعالم أجمع - من على هذا المنبر - بأننا لا نريد إلا السلم ، والمحافظة على شرفنا واستقلالنا ، وأننا لا نقبل بآية شروط مقيدة . ثانيا - أننا نرفض كل شكوى يظن معها أو يكون فيها مجال للظن ، بأننا نرغب في تعكير علاقات الصداقة التي تربطنا بحليفتنا أو بحلفائنا . ثالثا - أننا لا نرفض التفاوض وأننا على استعداد للمباشرة به ، وأن بعثتنا التي يرأسها الملك فيصل هي على أتم الاستعداد للسفر إلى أوروبة لمواصلة المفاوضة . وأننا نقبل بكل حل لا يسيء إلى شرفنا ولا إلى حريتنا وعلى أن يكون قائما على الحق . رابعا - وأخيرا أننا على أتم الاستعداد والتصميم للدفاع عن شرفنا وحقوقنا بجميع القوى التي أنعم الله علينا بها « . » انتهى « . اليوم كالأمس وأننا حين نقرأ هذا البيان ونتدبر ألفاظه ومعانيه ومراميه ، لا يسعنا إلا التصفيق للذين تقدموا به والذين تبنوه وأيدوه . فهو يعلن الموقف الذي يجب أن يقفه أي شعب يهدد في استقلاله وحريته ويتعرض لغزو استعماري شرس . وهو الكلمة الفاصلة التي يجب أن ترد بها أية أمة كريمة على المتطاولين إلى النيل من كيانها والانتقاص من إرادتها . لا سيما إذا كانت هذه الأمة كالأمة العربية العريقة . . . ولكننا ونحن نعيد تلاوة هذا البيان ، وندقق في كل حرف من حروفه لا نستطيع أن نسترسل في التصفيق لأصحابه ، بل لا نستطيع إلا الوقوف موقف المؤنب الصارخ في وجوههم : ما ذا أعددتم لتحقيق هذه الأحلام ، وما ذا بيتم للصمود بوجه الغزاة ؟ . وما ذا كان عندكم غير الكلام ترسلونه بلا حساب ، وغير الحماسة الفارغة من كل قوة وجوهر ! . . وأننا ونحن نعيش حاضر أمتنا المنكوبة اليوم بعزتها وكرامتها ، المفجوعة بأرضها وترابها ، المرزوءة بشعب من شعوبها . إننا ونحن نعيش اليوم هذا الحاضر المرير ، كما عشناه من أوله منذ العام 1947 يوم بدت طلائع الشر الصهيوني الرهيب ، ومنذ وضحت نيات التهام فلسطين والقضاء على شعبها . ومنذ بدأ التنادي لدرس وسائل درء الخطر ، وحفظ الوطن ! . فعقدت المؤتمرات وزخرت المنتديات ، وتدفقت الأقوال الحماسية والتطمينات الكلامية . منذ مؤتمر بلودان وقراراته السرية ، ثم منذ التهيؤ للحرب لمنع التقسيم ، ثم منذ دخول الحرب والخروج منها بالعار والشنار ! . منذ أول يوم ، وما كان يعقب كل ندوة ومجتمع ومؤتمر من تصاريح وأقوال ! . إذا جمعنا الخطب والبيانات والقرارات . وقارناها بهذا البيان البليغ الفصيح الذي ألقته حكومة الأتاسي الاستقلالية على برلمانها حين ساور الاستقلال الخطر ، وأطل على الأمة أبشع ليل في تاريخها الحديث ! . . إذا أجرينا هذه المقارنة ، فإننا نرى أنه منذ أكثر من خمسين سنة من