حسن الأمين

246

مستدركات أعيان الشيعة

بانياس . ومن بانياس وصلنا إلى القنيطرة . وكانت القنيطرة في ذلك الوقت في حركة جياشة تغص بالجند والناس ، إذ أنها كانت آخر مدينة على الحدود بين المنطقة العربية المستقلة والمنطقة المحتلة من الفرنسيين في الساحل والمنطقة المحتلة من الإنكليز في فلسطين . فكانت لذلك منطلقا لكثير من التحركات . وبتنا في القنيطرة في أحد الخانات التي كانت وحدها منازل للمسافرين ومن القنيطرة واصلنا السفر إلى دمشق لا على الدواب هذه المرة ، بل تركنا الدواب في القنيطرة وعاد بها مرافقونا إلى شقرا ، وأخذنا نحن إحدى العربات الكبيرة المستطيلة المتعددة المقاعد ، والمجرورة بالخيل ، والتي كانت هي الوسيلة الوحيدة للمواصلات السريعة إذ لم تكن السيارات قد انتشرت بعد . وبعد هذا التاريخ بسنة أو سنتين كانت هذه المركبات لا تزال في هذا الطريق ، وإن تكن السيارات قد بدأت تشق سبلها فيه ولكن بقلة وندرة . ذلك أننا عدنا من دمشق إلى القنيطرة مع الوالد وأخي الأصغر وتلميذ الوالد الشيخ علي الجمال . عدنا إلى القنيطرة في طريقنا إلى جبل عامل فركبنا نفس المركبة وحللنا القنيطرة ، ولكن لا في الخان هذه المرة ، بل في منزل امرأة قروية عاملية كانت تسكن القنيطرة في بيت بسيط ، وكانت تؤجر بعض غرفه إما للطارءين أو للمقيمين وهو بيت هزيل قروي بكل ما في القروية القديمة من معنى . نزلنا في هذا البيت على أمل السفر في الغد على الدواب المستقدمة من شقرا سالكين نفس الطريق السابق ولكن الأمل لم يتحقق وطالت إقامتنا في القنيطرة أسابيع . ذلك أن وسيلة إعلام شقراء بإرسال الدواب إلى القنيطرة كانت بإرسال برقية من دمشق إلى صور وهي آخر مركز يصل إليه خط البرقيات يوم ذاك . ومن صور ترسل البرقية مع بعض الذاهبين إما إلى شقرا أو إلى قرية مجاورة ومنها إلى شقرا . والمسافة ما بين صور وشقرا تتراوح بين الثماني والعشر ساعات ركوبا على الخيل أو غيرها من الدواب أو مشيا على الأقدام . وكانت صور تحفل دائما بالقرويين الذين يعودون إلى بلادهم بعد أن يكونوا قد باعوا منتوجات أرضهم من قمح وشعير وعدس لتجار صور . هذا في الصيف ، ولا تخلو صور خلال السنة من واردين إليها بين الحين والحين من القرى إما لمراجعة دوائر الحكومة أو لقضاء حاجاتهم . ومع واحد من هؤلاء العائدين من صور كانت ترسل البرقيات الواردة إلى صور والموجهة إلى القرى . وكان والدي يعتمد في إرسال برقياته على الشيخ عز الدين علي عز الدين الذي يتولى إرسال البرقية إلى شقرا . وكانت برقية طلب الدواب من شقرا قد وصلت الشيخ عز الدين فأرسلها مع واحد من عملائه من أهالي مركبا التي تبعد أكثر من ساعتين عن شقرا . ولكن الرجل لم يوصل البرقية . ووصلنا نحن القنيطرة ولم تصل الدواب وطال الانتظار والدواب لا تصل وأقبل عيد الأضحى فقضيناه في القنيطرة . وفي صبيحة العيد مضينا مع والدي إلى أرض فضاء في طرف القنيطرة حيث ازدحم المصلون من الشراكسة لأداء العيد فشاركناهم الصلاة . ولما طال الانتظار صدف والدي رجلا من بلدة الخيام ذاهبا إلى بلده البعيد عن شقرا فاستأجره الوالد ليمضي من الخيام إلى شقرا برسالة بطلب الدواب ، ولكن هذا الآخر مضى ولم يبلغ ما اؤتمن على إبلاغه وطالت إقامتنا في منزل ( أم نمر ) وهو منزل لا تحمد الإقامة فيه . ولما بلغ الياس مداه فتش الوالد عن حل للمشكلة فعلم أن فلاحين من قرية عين فيت القريبة من القنيطرة يحضرون العنب من قريتهم منقولا على الحمير لبيعه في القنيطرة ثم يعودون فارغين إلى قريتهم . فاستأجرنا حميرهم لتقلنا إلى هونين أول بلدة في جبل عامل من الطرف الشرقي المطل على الحولة . ولم يكن لا من اللائق ولا من المريح ركوب الحمير . وإنما هي الخيل التي تستعمل في مثل هذا الانتقال ، ولكن كان لا بد مما لا بد منه فركبنا حمير أهل عين فيت وبتنا ليلة في بانياس في خان فيها معد للنزلاء ، ثم صعدنا إلى هونين . والواقع أن دخولنا في تلك الحال إلى هونين كان شيئا عجيبا غير متوقع ، فلم يكن يخطر لأهل هونين أن هذا الموكب القادم إلى بلدتهم على ظهور الحمير هو موكب السيد محسن الأمين . وأنه نفسه يسير على رأس هذا الركب الهزيل . وقد زاد الأمر غموضا أن السيد كان يجلل عمامته ورأسه بعباءته السوداء الرقيقة ( الخاشية ) فلا يبين من ملامحه شيء . حتى إذا اجتاز الركب مداخل القرية وتقدم إلى وسطها نزع الوالد عباءته عن رأسه وترجل وترجلنا معه ومضينا ، وهنا صاح أحد الناظرين إلى الموكب : هذا السيد محسن . فتراكض الناس إليه دهشين . وانطلقنا إلى أحد المنازل . ثم نعود بعد هذا الاستطراد إلى مواصلة الكلام : في دمشق في هذه الفترة كانت دمشق تغلي كالمرجل ، فالفرنسيون طامعون بها يتحينون الفرص للانقضاض عليها وتحطيم الاستقلال الذي قام فيها . والوطنيون يحاولون تدعيم الاستقلال والمحافظة عليه ولن أتحدث عن تاريخ تلك الفترة إلا في القليل منها ، وإنما ساعرض فيما يأتي انطباعاتي عنها كطفل كان يرى مشاهدها عن كثب بقدر ما تسمح له أوضاعه . فمن ذلك مثلا أن بعض العامليين قد وصلوا دمشق بعد وصولنا بمدة ، فرارا من الحملة الفرنسية التي كانت قد انطلقت إلى الجبل للقضاء على العصابات المتمردة ، تلك الحملة التي كانت تأخذ البريء بجريرة العاصي . وسكن بعض هؤلاء العامليين في نفس حينا . كان العرب في تلك الفترة يعيشون حلمهم الأكبر منتشين بما هم فيه من استقلال وتطلع إلى الوحدة ثم بدأت الآمال تنهار والحقائق المرة تتجلى واحدة بعد الأخرى ! . ثم جاء إنذار الجنرال غورو للحكومة الاستقلالية يوضح الصورة ويجلو الواقع المر ويضع حدا لكل الأحلام . ففي اليوم الرابع عشر من تموز سنة 1920 تلقى الملك فيصل لا بصفته ملكا لسوريا بل بوصفه قائد جيش الحجاز المحتل لسوريا إنذارا يهدم كل الأماني . وقبل أن نشير إلى نص الإنذار ننشر هذا البيان الذي ألقته الحكومة الاستقلالية أمام المؤتمر السوري ( الذي كان بمثابة المجلس النيابي ) وذلك بعد أن وضحت النيات الاستعمارية . ويتجلى في هذا البيان ما كانت عليه الأفكار في تلك الأيام وما كان يجول في نفوس القادة . وأحسب أن هذا البيان ألقي حوالي منتصف حزيران سنة 1920 أي