حسن الأمين
236
مستدركات أعيان الشيعة
شيء ، خارج عن الحدين : حد الابطال وحد التشبيه ، وإنه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر ، بل هو مجسم الأجسام ، ومصور الصور ، وخالق الأعراض والجواهر ، ورب كل شيء ( 1 ) وقال الإمام علي بن موسى الرضا ع : . . . لا تضبطه العقول ، ولا تبلغه الأوهام ، ولا تدركه الأبصار ، ولا يحيط به مقدار ، عجزت دونه العبارة ، وكلت دونه الأبصار ، وضل فيه تصاريف الصفات ، احتجب بغير حجاب محجوب ، واستتر بغير ستر مستور ، عرف بغير رؤية ، ووصف بغير صورة ، ونعت بغير جسم ، لا إله إلا الله ، الكبير المتعال ( 2 ) وقال الإمام الصادق ع : . . . تعالى الله عما يصفه الواصفون المشبهون الله تبارك وتعالى بخلقه ، المفترون على الله ، . . . فانف عن الله البطلان والتشبيه ، فلا نفي ، ولا تشبيه ، هو الله ، الثابت الموجود ، تعالى الله عما يصفه الواصفون . . . ( 3 ) والشيعة استهدوا بهدي أئمتهم ع في ذلك ، فهم يعتقدون بالتوحيد الكامل ، والتنزيه الخالص ، للخالق تعالى ، عن كل تجسيم أو شبه بخلقه . كما أنهم يقولون بتوقيفية أسمائه تعالى ، فلا يطلقون اسما عليه تعالى إلا ما ورد به الشرع المقدس . قال الصدوق : أسماء الله تبارك وتعالى لا تؤخذ إلا عنه أو عن رسول الله ص ، أو عن الأئمة الهداة ع ( 4 ) وقال الشيخ المفيد : لا يجوز تسمية البارئ تعالى إلا بما سمى نفسه في كتابه ، أو على لسان نبيه ص ، أو سماه به حججه من خلفاء نبيه ع ، وكذلك أقول في الصفات ، وعليه تطابقت الأخبار من آل محمد ص ، وهو مذهب جماعة من الامامية وكثير من الزيدية ( 5 ) وقد خالف الجبائي - من المعتزلة - في ذلك ، فكان يزعم أن العقل إذا دل على أن البارئ عالم ، فواجب أن نسميه عالما ، وإن لم يسم نفسه بذلك ، إذا دل على المعنى ، وكذلك في سائر الأسماء . وخالفه البغداديون - من المعتزلة - فزعموا أنه لا يجوز أن نسمي الله عز وجل باسم قد دل العقل على صحة معناه إلا أن يسمي نفسه بذلك ( 6 ) وقد كانت هذه المسألة بالخصوص سببا لانفصال أبي الحسن الأشعري عن المعتزلة ، حيث ناظر أستاذه الجبائي فيها ، فقال الأشعري : إن طريقي في ماخذ أسماء الله الإذن الشرعي ، دون القياس اللغوي ( 7 ) وبهذا انضم الأشاعرة إلى غيرهم من المسلمين في توقيفية الأسماء . وقد ذكر الغزالي في هذا الباب تفصيلا ، وهو يتحدث عن اسم « الجسم » وهذا نصه : ندعي : أن صانع العالم ليس بجسم ، لأن كل جسم فهو متالف من جوهرين متحيزين . . . ونحن لا نعني بالجسم إلا هذا . فان سماه « جسما » ولم يرد هذا المعنى ، كانت المضايقة معه بحق اللغة ، أو بحق الشرع ، لا بحق العقل : فان العقل لا يحكم في إطلاق الألفاظ ونظم الحروف والأصوات التي هي اصطلاحات ( 8 ) وقال في موضع آخر : العقل عندنا لا يوجب الامتناع من إطلاق الألفاظ ، وإنما يمنع عنه : إما لحق اللغة ، وإما لحق الشرع : أما حق اللغة : فذلك إذا ادعى أنه موافق لوضع اللسان ، فيبحث عنه ، فان ادعى واضعه له أنه اسمه على الحقيقة ، أي واضع اللغة وضعه له فهو كاذب على اللسان ، وإن زعم أنه استعاره ، نظرا إلى المعنى الذي به شارك المستعار منه ، فان صلح للاستعارة لم ينكر عليه بحق اللغة ، وإن لم يصلح قيل له : أخطات على اللغة ، ولا يستعظم ذلك إلا بقدر استعظام صنيع من يبعد في الاستعارة ، والنظر في ذلك لا يليق بمباحث المعقول . وأما حق الشرع ، وجواز ذلك وتحريمه ، فهو بحث فقهي يجب طلبه على الفقهاء ، إذ لا فرق بين البحث عن جواز إطلاق الألفاظ من غير إرادة معنى فاسد ، وبين البحث عن جواز الأفعال . وفيه رأيان : أحدهما : أن يقال : لا يطلق اسم في حق الله تعالى إلا بالاذن ، وهذا لم يرد فيه إذن . وثانيهما : أن يقال : لا يحرم إلا بالنهي ، وهذا لم يرد فيه نهي . فينظر : فإن كان يوهم خطا ، فيجب الاحتراز منه ، لأن إيهام الخطا في صفات الله تعالى حرام . وإن لم يوهم خطا لم يحكم بتحريمه . فكلا الطريقين محتمل . ثم الإيهام يختلف باللغات وعادات الاستعمال ، فرب لفظ يوهم عند قوم ، ولا يوهم عند غيرهم ( 9 ) وأجمع ما رأيت بهذا الصدد ما ذكره الشيخ الشهيد ، ونقله الكفعمي ، وهذا نصه : هنا فائدة يحسن بهذا المقام أن نسفر قناعها ، ونحدر لفاعها ، وهي : أن الأسماء التي ورد بها السمع ، ولا شيء منها يوهم نقصا يجوز إطلاقها على الله تعالى إجماعا . وما عدا ذلك ، فأقسامه ثلاثة : الأول : ما لم يرد به السمع ويوهم نقصا فيمتنع إطلاقه على الله تعالى إجماعا ، كالعارف ، والعاقل ، والفطن ، والذكي . لأن المعرفة قد تشعر بسبق فكرة ، والعقل هو المنع عما لا يليق ، والفطنة والذكاء يشعران بسرعة
--> ( 1 ) التوحيد - للصدوق - : 81 . ( 2 ) التوحيد - للصدوق - : 98 . ( 3 ) التوحيد - للصدوق - : 102 ح 15 . ( 4 ) التوحيد - للصدوق - : 300 رقم 6 . ( 5 ) أوائل المقالات : 58 . ( 6 ) مقالات الإسلاميين 2 / 185 . ( 7 ) مذاهب الإسلاميين 1 / 501 . ( 8 ) الاقتصاد - للغزالي - : 21 . ( 9 ) الاقتصاد - للغزالي - : 20 - 21 .