حسن الأمين

228

مستدركات أعيان الشيعة

ويستند إلى نصوص ، لا تخلو من مناقشات ، ولكن المؤلف لم يلاحظ فيها شيئا ، ويقول : فهشام ، إذن ، من دعاة الجهمية ، ناظر على طريقتها ، متحمسا لها ( 1 ) ويستند أخيرا إلى الشبه الموجود بين بعض آراء هشام وبين آراء الجهمية ، التي ذكرها مؤلفو كتب الفرق ، ويقول : من البعيد أن يكون ذلك عفوا واتفاقا ( 2 ) . ولا بد أن نسأله هنا : بما ذا يفسر الاختلاف بين هشام وبين جهم في آرائه الأخرى ؟ ! هل يعتبرها عفوا أو اتفاقا ؟ ! مع أن الموارد التي ادعى موافقة هشام لجهم فيها ، والتي تمثل بها كشاهد على دعواه ، ليس الأمر فيها كما زعم ، بل هناك مخالفة بين رأييهما لم يدقق فيه المؤلف ، فقد ادعى - نقلا عن مقالات الإسلاميين ، للأشعري ، ص 108 - أن هشاما نسب إليه القول : « بان الله لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه ، وأن الأشياء لا تعلم قبل كونها . . . » ثم يقول : وهذا الرأي نفسه للجهم ( 3 ) أقول : هب أن هشاما يوافق الجهم إلى هذا الحد ، لكن هل تنتهي المسألة إلى هنا ؟ كلا ، بل ، إن هشاما يخالف جهما في نهاية المسألة نفسها : فجهم يدعي فيها : « أن علم الله محدث ، هو أحدثه ، فعلم به ، وأنه غير الله » ( 4 ) لكن هشاما يقول : إن الله يعلم الأشياء بعلم ، وأن العلم صفة له ، ليست هي هو ، ولا غيره ، ولا بعضه ، ولا يجوز ( 5 ) أن يقال في العلم : « إنه محدث أو قديم » لأنه صفة ، والصفة عند هشام لا توصف ( 6 ) ومن الواضح أن من خالف أحدا في جزء دعواه ، سواء في جزء الصغرى ، أو جزء الكبرى ، فهو مخالف له في النتيجة ! فكيف تخفى هذه البديهية على المؤلف . والغريب أنه جعل نفس هذا الأمر الذي اختلف فيه هشام والجهم مثالا آخر لما يدعيه من توافقهما في الرأي ! وبعد أن نقل كلام هشام في العلم ، وتصريحه بأنه « لا يقال فيه محدث ولا قديم » يقول : ونجد في هذا شبها بقول الجهم حين يستدل على ذلك فيقول : « إذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو : إما أن يحدث في ذاته تعالى ، و . . . » ( 7 ) فانظر كيف يكون الشبه بين من ينفي الحدوث والقدم ، وبين من يفرض الحدوث ويتكلم على أساسه ؟ ! والأغرب أن المؤلف لما ينقل قول هشام : ليس يخلو القديم من أن يكون لم يزل عالما لنفسه ، كما قالت المعتزلة ، أو عالما بعلم قديم ، كما قالت الزيدية ، أو عالما على الوجه الذي أذهب إليه ( 8 ) يقول : ويقصد بالوجه الذي يذهب إليه : أن العلم حادث ( 9 ) ويقول - بكل جرأة - : فرأي هشام هنا مشتق من رأي جهم بكامله ! أقول : لكن عرفت أن القول بحدوث علم الله هو رأي جهم فقط ، وأما رأي هشام فهو أن العلم صفة ، وهي لا توصف بحدوث ولا قدم ! فهو ينكر حدوث العلم ! فكيف يجرؤ المؤلف على هذا التصريح الخطير ! لا أجد جوابا لهذا ، إلا أن أقول للمؤلف : « ما هكذا تورد يا سعد الإبل » . ولو شاء المؤلف أن يرى بأم عينه اختلافات هشام والجهم ، فليقرأ في « مقالات الإسلاميين » للأشعري : 1 - أن الجهم يزعم أن الحركة جسم ، ومحال أن تكون غير جسم ( 10 ) 2 - أن هشاما يقول : الحركات وأمثالها ليست أشياء ولا أجساما ( 11 ) وهذا ما عثرنا عليه في طريق بحثنا ، ولم نتصد له ، ولعل البحث المقصود يدلنا على الكثير جدا . وكيف كان ، فهذا يكفي في تفنيد مزاعم المؤلف ، ودعواه مكررا أن هشاما كان ديصانيا أو جهميا حتى بنى على ذلك كثيرا من اتهاماته الصعبة ضد هشام . كما يقول عند تعرضه لموضوع « التجسيم » في رأي هشام : فالنزعة الحسية بادية على شيء من آرائه ، فهو يجسم الأعراض ، والجو ، حتى الخالق تعالى ويضيف : وقد رجحنا وصول هذه الفلسفة إلى هشام من طريق الديصانية . . . وبخاصة أن هشاما صحب أبا شاكر الديصاني ، ولازمه حتى عد من غلمانه ، كما سبق ( 12 ) ويقول بعنوان « ذاته » - بعد نقل الأقوال المتعارضة في نسبة التجسيم إلى هشام - ما نصه : وإننا إذ نقف بين هذه النصوص المتضاربة ، لا يمكننا أن ننزه هشاما عن القول بالتجسيم ( 13 ) ثم يستدل على ذلك بقوله : 1 - إن حكاية التجسيم عنه مستفيضة . 2 - إن الصدوق روى في كتابه « التوحيد » ما يشعر بذلك . 3 - إن المفيد نسب إليه مقولة « جسم لا كالأجسام » . ثم يؤكد على أن هشاما كان جهميا ديصانيا ، ويصل إلى هذه النتيجة :

--> ( 1 ) هشام بن الحكم : 51 . ( 2 ) هشام بن الحكم : 51 . ( 3 ) هشام بن الحكم : 1 - 52 . ( 4 ) مقالات الإسلاميين 2 / 164 . ( 5 ) وذكره في المصدر - أيضا - في 1 / 108 يلفظ « فيجوز أن يقال : العلم محدث أو قديم ، لأنه صفة ، والصفة لا توصف » . وقد طبعها المحقق الألماني ( ه‍ ، ريتر ) : « فيجوز » بالنصب ، كي يكون منصوبا بان مقدرة جوابا للنفي في « ليست » ومعناه : فلا يجوز ، كما جاء في الموضع التالي من المصدر . لكن المحقق المصري ( عبد الحميد ) طبعها : « فيجوز » فناقض معنى الجملة السابقة ، ومعارضا للموضع الآخر الذي صرح فيه بقوله « لا يجوز » كما أثبتنا في المتن ، فلاحظ . ( 6 ) مقالات الإسلاميين 2 / 163 ، والملل والنحل 1 / 185 . ( 7 ) هشام بن الحكم : 52 . ( 8 ) هشام بن الحكم : 128 نقلا عن الانتصار - للخياط - : 108 . ( 9 ) هشام بن الحكم : 128 . ( 10 ) هشام بن الحكم : 51 . ( 11 ) مقالات الإسلاميين 1 / 113 . ( 12 ) هشام بن الحكم : 99 . ( 13 ) هشام بن الحكم : 121 .