حسن الأمين
229
مستدركات أعيان الشيعة
وعلى ذلك ، يمكننا أن نقول : إن هشاما كان يذهب إلى أن الله تعالى « جسم لا كالأجسام » وذلك قبل أن يدين بمذهب الصادق . . . ولكنه بعد ذلك رجع . واعتبر رأيه هذا جمعا بين الناسبين التجسيم إليه ، وبين النافين لتلك النسبة عنه ، ويقول : فكلا الفريقين ، المتشيع عليه ، والمتشيع له ، قد يكون على صواب ( 1 ) وواضح أن شيئا من أدلته تلك لا تثبت مدعاه ، ولا يصح ترتيب هذه النتيجة الخاطئة عليه : فالحكايات المستفيضة : تنحل إلى أكثرية اختلقتها أهواء خصوم هشام ، واصطنعتها أغراضهم ، وصاغتها أحقادهم ، فلا قيمة إثباتية لها على التحقيق ، ولا تقاوم الجدل والبحث العلمي . وتنقسم إلى مجموعة أخرى معرضة للاحتمالات والترديدات ، والتفسيرات المبعدة لها عن إثبات ما يريده المؤلف . فهل يسمى مثل هذا استفاضة ؟ ! وهل تكون مثل هذه الاستفاضة حجة على شيء ؟ ! نعم ، هي بمجموعها تدل على ثبوت قضية في حق هشام ، بنحو المعلوم الاجمالي ، لكن جزئيات هذه القضية ومفرداتها غير واضحة من خلال تلك الحكايات المستفيضة ، والقدر الثابت الصحة منها هو أن هشاما أطلق تلك المقولة : « جسم لا كالأجسام » على البارئ جل وعلا ، وقد عرفت أنها - في مصطلح هشام - لا تدل إلا على التنزيه المحض والتوحيد الكامل . وأما الروايات التي نقلها الصدوق ، فلا دلالة في شيء منها على التزام هشام بالتجسيم المادي لله تعالى شانه ، وإنما احتوى قسم منها على أن له قولا في « الجسم » ، وهذا لا يدل على أكثر من إطلاق اسم « الجسم » . وقسم آخر بين فيه مصطلح هشام ، أو تكرار لمقولته ، ولم نجد فيها ما يتضمن نسبة التجسيم المادي إلى هشام ( 2 ) وأما كلام المفيد ، فليس هو إلا نقلا للمقولة عن هشام ، وهو مدار بحثنا هذا ، وقد عرفت أنها لا تدل إلا على التوحيد والتنزيه ، فكيف يستدل به المؤلف على مدعاه ؟ ! ويتعرض المؤلف لمسألة التجسيم المنسوب إلى هشام تحت عنوان « الأعراض » ويقول : لكن هشاما خالف ما هو المعروف في الأعراض ، فقد نسب إليه الشهرستاني والأشعري والبغدادي وابن حزم الأندلسي ، القول بان الألوان والطعوم والرائحة أجسام ( 3 ) وأشار في الهامش إلى مصادر عديدة ، منها : الفصل - لابن حزم - ( 5 / 42 ) ، وقد كان هذا الكتاب أمامي عند مطالعتي لهذا الكلام ، وفتحته ( في نفس الجزء ، والصفحة ) فعجبت لما لم أجد في هذا المكان إلا قول ابن حزم - السطر 9 - . قال أبو محمد : وقد اختلف الناس في المعدوم ، أهو شيء أم لا ؟ فقال أهل السنة ، وطوائف من المرجئة ، والأشعرية ، وغيرهم : ليس شيئا ، وبه يقول « هشام بن عمرو الفوطي » أحد شيوخ المعتزلة . وقال سائر المعتزلة : المعدوم شيء ، فقال : عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخياط : إن المعدوم جسم في حال عدمه إلا أنه ليس متحركا ولا ساكنا ولا مخلوقا ولا محدثا في حال عدمه ( 4 ) ثم نظرت في الصفحة حتى آخرها فلم أجد ذكرا لهشام بن الحكم ، ولا في صفحات سابقة ولا لاحقة عليها ! ولو سامحنا المؤلف ، في ذكره اسم هشام بن الحكم بدل هشام بن عمرو ، فهل له عذر في أنه ذكر الحديث عن مطلب الأعراض : اللون ، والطعم ، الرائحة ، نقلا عن هذا المصدر ، في تلك الصفحة ، ولم نجد لها ذكرا فيها ؟ ! فهل اعتمد طبعة أخرى من الكتاب ؟ ! وهو لم يذكر فهرسا لطبعات مصادره ؟ ! ثم ما ذا عن المصادر الأخرى ؟ وعن المطالب الأخرى ؟ وعن أرقام الصفحات والمجلدات ؟ فهل مثل هذا الكتاب يعتمد عليه كمصدر أمين ؟ ! ولولا أن بعض المغرضين قد استند إلى ما في هذا الكتاب من آراء حول هشام ، وجعله دليلا على نسبة التجسيم المادي إليه ! ! ولولا التخوف من أن يصبح ما جاء في الكتاب - من آراء خاطئة - شاهدا لمن تسول له نفسه اتهام هشام بما لا يليق من أباطيل ! ! لولا كل ذلك ، لما تعرضنا لما فيه ، لبعد المدة التي مضت على طبعه ، ولعل كلمتنا هذه توقف المؤلف على ما في كتابه ، فيحاول أن ينقحه ، ليؤدي هدفه - الذي لا بد أن يكون خيرا - بأفضل مما كان عليه ، ويقطع الطريق على من يسيء الاستفادة منه من المغرضين . ولقد ألجانا إلى هذا التعرض استشهاد بعض المؤلفين بما جاء فيه على اتهامه لهشام بالتجسيم المادي متبجحا بأنه لم يبق في ساحة هذا الاتهام وحيدا بعد أن كان مؤلف كتاب « هشام بن الحكم . . . » يذهب إلى مثل ما ذهب إليه ، ويقول بنفس مقالته . بالرغم من أن هذا المؤلف لم يعتمد في كتاباته إلا على مصادر ضعيفة ، ومقدمات سخيفة ، فبنى عليها نتائج موهومة ، تصور أنها حقائق ثابتة . فهذا مؤلف كتاب « الصلة بين التشيع والتصوف » مع قربه من مصادر تراث الشيعة ومعرفته بعلمائهم ، تراه يخبط في كتابه هذا خبط عشواء لا يهدي سبيلا ! وفي خصوص هشام بن الحكم يحاول أن يتفلسف لاثبات أقبح ما أتهم به من أعداء التشيع وخصومه ، ألا وهو « التجسيم المادي » . ولئن عجز أولئك الحاقدون من إثبات هذه التهمة بصراحة واضطروا - من حيث أرادوا أولا - إلى الاعتراف ببراءة هشام منها ، إلا أن هذا حاول أن
--> ( 1 ) هشام بن الحكم : 123 . ( 2 ) هشام بن الحكم : 124 ، وسنذكر في نهاية هذا البحث أكثر تلك الروايات ونوضح محاملها . ( 3 ) هشام بن الحكم : 162 . ( 4 ) الفصل 5 / 42 س 9 فما بعدها .