حسن الأمين
227
مستدركات أعيان الشيعة
أن يتابع القضايا ، ويراجعها في مصادرها الأصلية . فمثلا : يعتبر المؤلف هشاما تلميذا لأبي شاكر الديصاني ، وقد ذكر مستندا لهذا الاعتبار ، وهو أربعة نصوص ، أحدها منقول عن البرقي ، والثاني في رواية عن الإمام الرضا ع ، ثم الثالث عن ابن الخياط المعتزلي ، والرابع عن ابن تيمية الحراني ، ثم قال : وبعد هذا ، فان جميع النصوص المذكورة متفقة على أن هشاما كان على صلة تامة بهذا الديصاني ، وعلاقة وثيقة به ( 1 ) أقول : وليس شيء من هذه النصوص الأربعة حجة على ما يريد المؤلف إثباته ، فالنصان : الثالث والرابع ، هما كلمتان لرجلين من ألد خصوم الشيعة ، وممن شنعوا على هشام بالخصوص ، وممن لم يتقوا الله في نسبة ما هوت نفوسهم إلى هشام وأتباع أهل البيت ع ، ويشهد بذلك كتاباهما « الانتصار » للخياط ، و « المنهاج » لابن تيمية ! ثم متى صارت أقوال الخصوم حجة في حق خصومهم ؟ ! وكيف صار اتفاق هذين الرجلين دليلا على اتهام هشام ؟ ( 2 ) وأما النص الأول : فقد نقله المؤلف عن المامقاني في تنقيح المقال 3 / 395 . وقد نقله المامقاني عن ابن داود الرجالي الحلي ، ولما راجعت « الرجال » لابن داود وجدته ناقلا له عن البرقي ، فراجعت رجال البرقي ، فوجدت فيه : وفي كتاب سعد : له كتاب ، وكان من غلمان أبي شاكر الزنديق ، جسمي ، رؤيي . وقد علق محقق الكتاب على هذه العبارة بان في نسخه تصحيفا ( 3 ) ولم يميز في كتاب البرقي أن قوله : « وكان من غلمان . . . إلى آخره » منقول عن سعد ، أو هو من كلام البرقي نفسه ؟ فإن كان منقولا عن سعد ، فمن هو « سعد » هذا ؟ فإن كان هو سعد بن عبد الله الأشعري القمي ! الذي له كتاب « رجال الشيعة » ( 4 ) فهو في كتابه الآخر المسمى ب « المقالات والفرق » لم يذكر عن هشام شيئا ، إلا أنه عده في من ذكرهم من « وجوه أصحاب جعفر بن محمد ، وأهل العلم منهم والفقه والنظر ، وهم الذين قالوا بامامة موسى بن جعفر عند وفاة أبيه » ( 5 ) ثم إن ابن داود الذي نقل عن البرقي تلك العبارة ، ناقش مضمونها في [ القمسين ] القسمين من رجاله : فقال في القسم الثاني : هشام بن الحكم : لا مراء في جلالته ، لكن البرقي نقل فيه غمزا ، لمجرد كونه من تلاميذ أبي شاكر الزنديق ، ولا اعتبار بذلك ( 6 ) وقال في القسم الأول - بعد نقل عبارة البرقي المذكورة - : مع أني لا أستثبت ما قاله البرقي قدحا فيه ، لأن حال عقيدته معلوم ، وثناء الأصحاب عليه متواتر ، وكونه تلميذ الزنديق لا يستلزم اتباعه في ذلك ، فان الحكمة تؤخذ حيث وجدت ( 7 ) ثم إن المامقاني - بعد أن نقل ذلك - ذكر في دفع ذلك أمرين : 1 - أن رجال البرقي ، الموجود عنده ، خال عن ذكر تلمذه هشام لأبي شاكر ، أولا . 2 - أنه قد ورد في أخبار كثيرة مناظرته لأبي شاكر ، واحتجاجه عليه في التوحيد ، على وجه يعلم عدم كونه تلميذا له ، ثانيا ( 8 ) والحق أن المامقاني قد تبرأ من مضمون تلك العبارة . والمؤلف ، كيف يصرف النظر عن كل هذه المناقشات ، وينقل تلك العبارة ، ويعتبرها نصا دالا على ما يريد إثباته من تلمذ هشام للديصاني ؟ ! وأما النص الثاني ، فهي رواية عن الإمام الرضا ع ، نقلها عن المامقاني أيضا ( 9 ) لكن المامقاني نقل الرواية تلك عن الكشي ، وهي موجودة في رجاله ( 10 ) وقد ذكر المامقاني : أن الرواية قاصرة سندا . بالنظر إلى أن في السند : « عن بعض أصحابنا » وهم لا يعتبرون بمثله . هذا ، مع أن النص الموجود في رجال الكشي هو : . . . من غلمان هشام ، وهشام من غلمان أبي شاكر . . وليس في الرواية : « . . . هشام بن الحكم » وهكذا نقله المامقاني . ولكن المؤلف أضاف كلمة « ابن الحكم » على متن الرواية ، من دون إشارة إلى عدم وجودها في المصدر ، ولا في مصدر المصدر ! هذه قيمة النصوص التي اعتمد عليها المؤلف في دعواه الخاطئة ، أي كون هشام تلميذا للديصاني ، ومع هذا يسلم للدعوى ، ويبني على هذه النصوص بناء مهزوزا ، هنا وفي ما يلي من صفحات كتابه ، ويستنتج آراء خاطئة ينسبها إلى هشام ، ويقول بملء فيه : إن هذه الآراء وصلت إلى هشام ، من أثر الفكر الرواقي ، من طريق أبي شاكر الديصاني ! ويقول : بل من الجائز أن تكون نزعته « الحسية » « المادية » هي أصداء للنزعة الرواقية ، انعكست في تفكيره بواسطة الديصانية ( 11 ) وهذا كله مبني على وهم خاطئ ، مصدره تلك النصوص التي عرفنا عدم حجيتها ، وعدم قابليتها لاثبات تلك الدعوى ! وبنفس الأسلوب يدعي أن هشاما اعتنق مذهب جهم بن صفوان ،
--> ( 1 ) هشام بن الحكم : 48 - 49 . ( 2 ) انظر ما ذكره القاسمي في كتاب « تاريخ الجهمية والمعتزلة » ص 30 وما بعدها ، حول التساهل في نقل الآراء والمذاهب ، وما يجب أن يعتمد في ذلك . ( 3 ) رجال البرقي : 35 . ( 4 ) لاحظ : رجال النجاشي : ، والفهرست - للطوسي - . ( 5 ) المقالات والفرق - لسعد - : 88 رقم 168 . ( 6 ) رجال ابن داود - القسم الثاني - : 60 . ( 7 ) رجال ابن داود - القسم الأول - : 200 رقم 1674 . ( 8 ) تنقيح المقال 3 / 295 . ( 9 ) يلاحظ أنه راجع إلى تنقيح المقال 3 / 295 بينما الرواية مذكورة في ص 299 من المصدر . ( 10 ) هشام بن الحكم : 48 - 49 . ( 11 ) هشام بن الحكم : 50 - 51 .