حسن الأمين
226
مستدركات أعيان الشيعة
لكن الجبائي - وهو من كبارهم - كان يزعم : أن العقل إذا دل على أن البارئ « عالم » فواجب أن نسميه « عالما » وإن لم يسم نفسه بذلك ، إذا دل العقل على المعنى ، وكذلك سائر الأسماء ( 1 ) فهو على هذا ملزم بالموافقة على المقولة ، على مصطلح هشام ، ولكن لم أجد تصريحا له بذلك . لكن واحدا من المعتزلة صرح بالحق في شان المقولة ، وهو ابن أبي الحديد ، الذي صرح بان المقولة « جسم لا كالأجسام » إذا كانت على معنى : أن الله تعالى بخلاف العرض الذي يستحيل منه الفعل ، فهو نفي لمعنى الجسمية ، وإنما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى أنه « شيء لا كالأشياء » وأمرهم سهل ، لأنه خلاف في العبارة ( 2 ) هذه مواقف عمدة المذاهب الإسلامية التي لها رأي في المباحث الكلامية ، من الذين يخالفون هشاما في المعتقد ، وخاصة في المذهب ، وكما رأينا فإنهم متفقون على عدم منافاة مقولة هشام للحق ، ولا اعتراض لهم على المقولة من حيث المعنى . لكنهم بالرغم من ذلك نسبوا إلى هشام أنواعا من التهم البشعة ، والخرافات المنافية لأبسط القواعد العقلية ، سعيا في تشويه سمعته بين المسلمين الموحدين ، وتضييعا لأثره في الفكر والعقيدة ، وإخفاء لعظمته في تاريخ العلم والثقافة الإسلامية في عصورها المبكرة . ومن هنا نعرف السبب في إغفال البغدادي صاحب « الفرق بين الفرق » لهذه المقولة عند ذكره لآراء هشام الكلامية ، فلم يذكرها مطلقا ، مع شهرتها عن هشام ، بينما أبدى حقدا وبغضا في جمع كل خرافة وباطل وكذب ، ونسبة ذلك إلى هذا المفكر الموحد ! 7 - موقف الشيعة من المقولة : أما الشيعة ، الذين ينتمي إليهم هشام ، فقد عرفنا اتفاقهم قدماء ومتاخرين على أن المقولة لا تدل على التجسيم المعنوي ، وإنما أريد من كلمة « الجسم » معنى آخر ، غير مدلوله اللغوي المتفاهم ، وقد أوضحنا أن المعنى الآخر قد اصطلح عليه هشام وأصحابه وتلاميذه ، وأرادوا من كلمة « الجسم » معنى « الشيء » و « الموجود » . وقد صرح الشيخ المفيد ، والسيد المرتضى ، بان هشاما لم يخالف في مقولته « جسم لا كالأجسام » التوحيد ، ولا يرد عليه إلا إطلاقه لفظ « الجسم » على البارئ تعالى وإن كان بمعنى « الشيء » ( 3 ) وقد ذكر ابن أبي الحديد : أن هذا المعنى هو الذي التزمه من قدماء الشيعة : علي بن منصور ، والسكاك ، ويونس بن عبد الرحمن ، والفضل بن شاذان ( 4 ) وكذلك صرح كثير من علماء الطائفة ، وآخرهم السيد الخوئي الذي قال في كتاب رجاله بعدم إرادة هشام من كلمة « الجسم » معناها المفهوم ، بل أراد معنى آخر ( 5 ) ولكن الذي يحز في النفس أن يتعرض للموضوع من لم يأخذ له أهبته اللازمة ، ممن ينتمون إلى مذهب هشام ، فغرتهم كثرة الأقاويل التي اختلقها كتاب الفرق والمقالات ، ومؤرخو المذاهب والقضايا الاعتقادية ، وملأوا بها الصحائف ، فلم تفسح لهؤلاء مجالا للتأمل في الموضوع بدقة وعمق ، من حلال مصادرنا المأمونة لتمييز الصحيح من الفاسد ، أولا ، والتوصل إلى الحق الذي أراده هشام ، ثانيا ، فوقع هؤلاء في الفخاخ التي نصبها أولئك الحاقدون ، وما سطروه في صحائفهم السوداء ضد هشام . وأكثر ما نجد تناقل كتاب العصر لما لفقه الخصوم عن معتقدات هشام ، مما ينافي أبسط قواعد الايمان والإسلام . وناقل الكفر وإن لم يكن كافرا - كما يقال - إلا أن تمريرها بالنقل ، من دون تعرض لها بالنقد أو تزييف نقاط الضعف ، أو تبيين أوجه المغالطة فيها ، جريمة لا تغتفر ، فضلا عن أن يبدي المؤلف رأيا يعارض الحق ، وينسبه إلى هشام ! أو يتناقل تلكم الأكاذيب من دون نسبتها إلى مختلقيها ، وكان الناقل يفرضها من مسلمات التاريخ أو العلم ! فبما يعتذر من يعد في المذاهب مذهبا باسم « الهشامية » ينسب إليه الغلو والتشبيه ؟ ! مع العلم بان مؤلفي الفرق ومؤرخي المذاهب من الشيعة لم يذكروا فرقة بهذا الاسم أصلا ، فضلا عن ينسبوا إليها تلكم التهم ؟ ! ولو نقل ذلك عن مصادر المخالفين لهشام في المذهب ، لكفانا مئونة هذه الكلمة المؤلمة ! أما هشام ، فلن تؤثر في عظمته هذه التصرفات ، ولم تخفت نور الحق الذي التزم به كثرة التشويش عليه ، سواء من فعل الخصوم الحاقدين ، أو من نقل أبناء طائفته الغافلين أو المتساهلين . ولقد رأيت من واجبي أن أستعرض ما جاء في كتاب « هشام بن الحكم أستاذ القرن الثاني في الكلام والمناظرة » مما وجدته مخالفا لما ثبت عن هشام من آراء ، وما توصلت إليه من حقائق . ومع أن مؤلف هذا الكتاب كان متنبها إلى خطورة الموضوع ، وصعوبة البحث فيه ، إذ يقول : مع اعترافي بان ذلك محاولة نموذجية قد لا تبلغ من العمق والشمول ما لا يطلبه حديث رجل كهشام ، ولا يتسع كثيرا للإيضاح ، ذلك لأنه لم يحظ بعناية المترجمين ( 6 ) ومع ما يعهد من مؤلفه من معرفة وحسن نية وجهد علمي . لكنه - مع هذا كله - وقع للأسف في شباك الأخطبوط المعادي لهشام ! ونحن نذكر هنا ما يرتبط بمبحث التجسيم فقط ! في انتخاب المصادر : فهو ينقل عن مصادر متأخرة جدا ما نقلوه عن مصادر قديمة ، من دون
--> ( 1 ) مقالات الإسلاميين 2 / 185 ، وانظر : مذاهب الإسلاميين 1 / 500 . ( 2 ) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . ( 3 ) الحكايات : 131 ، وأوائل المقالات : 43 ، والشافي - للمرتضى - : 12 . ( 4 ) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . ( 5 ) معجم رجال الحديث 19 / 358 . ( 6 ) هشام بن الحكم : 8 - 9 .