حسن الأمين
225
مستدركات أعيان الشيعة
باعتراف القاضي عبد الجبار - صاحب الحكاية والنسبة - لا يقتضي القول بالرؤية . وقد صدر هذا من الكاتب نتيجة عدم وقوفه على مصطلح هشام ، وعدم تدقيقه في أبعاد هذا المصطلح ، ولنا لقاء معه في القسم الآتي من هذا البحث . ثم إن جميع ما أورده المحققون من الفلاسفة والمتكلمين من البراهين والأدلة على نفي التجسيم عن الله تبارك وتعالى مبتن على نفي التأليف والتركيب والتحيز والحاجة والجزء ، وما أشبه ذلك ، عن وجود البارئ جل وعز ، لأن جميع ما ذكر هو من سمات الممكنات ، والله تعالى واجب الوجود . ومن الواضح أن شيئا من ذلك لا يرتبط بمسالة اللفظ وإطلاق كلمة « جسم » بمعنى « الشيء » عليه تعالى . وأما مسألة توقيفية أسمائه تعالى ، فهذا أمر آخر ، سيأتي التفصيل فيه ، بعون الله . 6 - مواقف الكلاميين من المقولة : لقد عرفنا خلال عرضنا لمصطلح هشام مواقف العلماء الناقلين لذلك من المقولة ، ورأينا هنا أن نستعرض تلك المواقف في نظرة سريعة : أما الأشاعرة : فقد صرح رئيس مذهبهم أبو الحسن الأشعري بان هشاما قال : هو « جسم لا كالأجسام » ومعنى ذلك : أنه « شيء موجود » ( 1 ) وهذا واضح في تفسيره المصطلح بما لا يدل على التجسيم المعنوي ، فان من يعبر عن الله تعالى بأنه « شيء موجود » لم يذكر بكلامه هذا إلا إثبات وجود الله تعالى ، دون أن يعبر عن كون الله تعالى له صفة الجسمية أو غيرها ، فكذلك المقولة التي تدل على معنى « شيء موجود » كما فسرها الأشعري . مضافا إلى أن ذيل المقولة يدل على نفي تشبيهه بالأجسام كلها ، فهو أصرح ، في عدم التجسيم المعنوي . وقد صرح الأشعري في مورد آخر بان الذي يقول في البارئ : « جسم » بمعنى أنه « موجود » : لا يثبت البارئ ذا أجزاء مؤتلفة ، ولا أبعاض متلاصقة ( 2 ) فهذا - على مصطلح هشام - صريح في نفي المعنى اللغوي للجسم الدال على الأبعاد والأجزاء وتالفها في الوجود . وأصرح من ذلك قوله : وقال قائلون : هو « جسم خارج من جميع صفات الأجسام » ليس بطويل ، ولا عريض ، ولا عميق ، ولا يوصف بلون ، ولا طعم ، ولا مجسة ، ولا شيء من صفات الأجسام ، وأنه ليس في الأجسام ، ولا على العرش ( 3 ) . . . وهذا النص ، وإن لم يفسر فيه الجسم بما اصطلح عليه هشام ، إلا أن قوله : « خارج من جميع صفات الأجسام » إلى آخر العبارة ، لازم لذلك ، بل هذا هو توضيح لذيل المقولة : « . . . لا كالأجسام » كما هو واضح مما تقدم ذكره مكررا . ومع هذا ، فالأشعري ينسب إلى هشام القول بان ربه في مكان دون مكان ، تعالى الله عن ذلك ، وكذلك ينسب إليه أقاويل تنافي هذه المقولة منافاة ظاهرة ، ويضيف على مقولته أقبح ما يقال في هذا المجال ، مما لا يخفى على عاقل ، فكيف يخفى ذلك على الأشعري المتغافل ! ؟ هذا ، وقد اعترف كبار الأشاعرة ، المتقدمون والمتأخرون ، بعدم دلالة المقولة على التجسيم ، كما نقلناه عن الإيجي ، والجويني ، والدواني ، والرازي ، وعبده . وأما الظاهرية : فقد عرفنا من أشهر شخصية علمية فيهم ، وهو ابن حزم الظاهري تصريحه بان : من قال : « جسم لا كالأجسام » فليس مشبها ، لكنه ألحد في أسماء الله تعالى ، إذ سماه عز وجل بما لم يسم به نفسه ( 4 ) مع أنه يوافق على مقولة « شيء لا كالأشياء » ( 5 ) وقد عرفنا أن مقولة « جسم لا كالأجسام » هي مرادفة لمقولة « شيء لا كالأشياء » وبمعناها على مصطلح هشام في « الجسم » . وأما المعتزلة : فقد أبدوا معارضة شديدة للمقولة ، باعتبارهم أكثر الناس عداء لهشام ولما ينسب إليه من آراء . وذلك لأنه الرجل القوي الذي كان يقف في وجههم وهم في أوج قدرتهم وعزتهم ، « فكان الشخصية القوية الذي ناظرهم وناظروه » ( 6 ) وهو الوحيد الذي اضطر الخصوم للاعتراف له بأنه « صاحب غور في الأصول » ( 7 ) وبلغ من القوة بحيث قالوا في حقه : « لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة ، فان الرجل وراء ما يلزم به على الخصم » ( 8 ) وقد ذكر الشهرستاني أن هذه المقولة إنما أوردها هشام في إلزام أبي الهذيل العلاف بالذات ، وهو من كبار المعتزلة المعاصرين لهشام ، وله معه مناظرات عديدة . والمعتزلة مع إجماعهم على مقولة « شيء لا كالأشياء » ( 9 ) ومع أن بعضهم وافق على كبرى « لا شيء إلا وهو جسم » ( 10 ) ، إلا أنهم أغفلوا مصطلح هشام ، وعارضوا المقولة ، وغالطوا في حملها على غير مصطلح هشام ، وقد أوضحنا سابقا مواقع المغالطة في كلماتهم ( 11 )
--> ( 1 ) مقالات الإسلاميين 1 / 257 . ( 2 ) مقالات الإسلاميين 1 / 104 . ( 3 ) مقالات الإسلاميين 1 / 260 . ( 4 ) الفصل 2 / 120 . ( 5 ) الفصل 2 / 8 - 119 . ( 6 ) ضحى الإسلام - لأحمد أمين - 3 / 268 . ( 7 ) الملل والنحل 1 / 185 . ( 8 ) الملل والنحل 1 / 185 . ( 9 ) مقالات الإسلاميين 2 / 180 ، وانظر موضع التعليقة رقم 79 . ( 10 ) مقالات الإسلاميين 1 / 257 . ( 11 ) راجع ( ص 39 ) من هذا البحث .