حسن الأمين

220

مستدركات أعيان الشيعة

وهذا منهم خروج عن أبسط مناهج البحث والجدل الصحيح . وأما قولهم : وإذا كان قد قام الدليل على أنه - تعالى - ليس جسما ، فواضح أنه مصادرة على المطلوب ، إذ أن هذا هو محل البحث والنزاع فكيف يؤخذ شرطا تترتب عليه النتيجة التي ذكروها . ثم إن الأدلة التي أقامها المتكلمون على نفي الجسمية عن البارئ تعالى ، كلها مبتنية على أن المراد بالجسم هو ذو الأبعاد ، وقد ذكروها في كتبهم . ولهذا ، لا يرد شيء منها على المقولة ، بل نص كثير منهم على أن المقولة على مصطلح هشام لا تدل على التجسيم المعنوي ، وليس فيه مخالفة لأصل ، ولا اعتراض على فرع ، سوى مسألة توقيفية الأسماء التي سنفصل ذكرها في نهاية البحث . 4 - دليل هشام على اختيار هذا المصطلح نقل استدلال هشام على اصطلاحه في الجسم ، في رواية يونس بن ظبيان ، قال : دخلت على أبي عبد الله ع ، فقلت له : إن هشام بن الحكم يقول قولا عظيما ! إلا أني أختصر لك منه أحرفا : يزعم أن الله « جسم » لأن الأشياء شيئان : جسم ، وفعل الجسم ، فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل ، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل ( 1 ) ومراده : أن الموجودات على قسمين : إما أعراض ، وقد عبر عنها هشام بكلمة « الفعل » وهو ما لا يستقل في وجوده ، بل يحتاج إلى محل يعرض عليه أو يصدر منه . وإما ذوات ، وقد عبر عنه بكلمة « الجسم » وهو ما يستقل في وجوده . والبارئ جل ذكره ، لا يكون إلا من الموجودات المستقلة بالوجود ، وبما أن الأعراض لا تسمى عند هشام « أشياء » والذوات عنده هي الأشياء ، وقد عرفنا من مصطلحه أن الشيء عنده يسمى بالجسم . والبارئ ليس عرضا ، بل ذات ، ويسمى « شيئا » فاذن يطلق عليه اسم « جسم » ! هذا ما نفهمه من استدلال هشام في هذه الرواية ، وهو الذي فهمه تلامذة هشام ، وقد نقله ابن أبي الحديد عنهم ، فقالوا : إنه « جسم لا كالأجسام » على معنى أنه بخلاف العرض الذي يستحيل أن يتوهم منه فعل ، ونفوا عنه « معنى الجسمية » ( 2 ) فنفي معنى الجسمية ، يدل على أن المراد بقولهم « جسم » مجرد الاسم ، وإذا انتفى عنه معنى الجسمية ، وهي التكتل الخارجي المقتضي للأبعاد ، كان « الجسم » في مقابل العرض ، وبمعنى الذات المتقومة بنفسها ، وهذا في مصطلح هشام هو « الشيء » المرادف لكلمة « الجسم » . وهذه الفكرة معروفة عن هشام ، بكل مقدماتها : فكان يقول : إن الأفعال صفات الفاعلين ، ومعان لهم ، وليست بأشياء ولا أجسام ( 3 ) لأن الشيء عنده لا يكون إلا جسما ( 4 ) فهشام لا يرى العرض « شيئا » بل يرى ما يقابله « شيئا » و « الشيء » عنده هو « الجسم » والبارئ لا يكون عرضا ، بل هو ذات ، فهو « جسم » أي « شيء » مستقل الوجود . وكذلك كان هشام يرى أن « الحركة » ليست « جسما » لأنها « فعل » و « الفعل » عرض ليس بشيء . ذكر ذلك في مناظرته لأبي الهذيل العلاف الذي كان يرى الحركة « جسما » ( 5 ) وقد نقل القاضي عبد الجبار شبهة للقائلين بالتجسيم ، وهي أنهم قالوا : المعقول : إما الجسم ، وإما العرض ، والقديم تعالى يستحيل أن يكون عرضا ، فيجب أن يكون جسما ( 6 ) فنجد في هذا الاستدلال نفس العناصر التي وجدناها في الاستدلال المنقول عن هشام ، فقد جعل فيه « الجسم » مقابل « العرض » وكان في استدلال هشام مقابل « الفعل » . والفعل ، والعرض ، مشتركان في أنهما ليس لهما وجود مستقل بل الفعل نوع من العرض ، والذي يقابلهما هو الموجود الذي له استقلال في التحقق والوجود ، وهو المسمى ب « الذات » وب « الشيء » وفي اصطلاح هشام ب « الجسم » . وحيث أن القديم تعالى ليس عرضا وليس فعلا ، بل هو موجود مستقل في الوجود ، قائم بذاته ، وبنفسه ، ولا يحتاج في وجوده إلى محل يقوم به أو فيه ، وهو « شيء فهو مرادف - عند هشام - لكلمة » جسم « . وليس مفاد ذلك التجسيم المعنوي الذي يدعيه « المجسمة » بل هو إطلاق للفظ « الجسم » بمعنى « الشيء » ، ولا محذور فيه سوى موضوع توقيفية أسماء الله تعالى ، وسيجئ . ومن هنا نعرف أن القاضي قد حرف هذا الاستدلال ، وصوره استدلالا على التجسيم المعنوي ، باعتباره الجسم المفروض في الاستدلال مقابلا للعرض ، قسما من الجوهر ، فلهذا فرض في جوابه عنه وجود قسم ثالث ليس بجسم ولا عرض ، وأنه هو ذات معلوم أو يمكن اعتقاده ، وهو القديم تعالى ( 7 ) لكن المقابلة المفروضة في الاستدلال بين العرض والجسم ، توحي أن المراد بالجسم هو ما يستقل في الوجود وإلا لم تصح المقابلة ، كما لا يصح الحصر ، فكيف يصح الاستدلال ، وكيف يفرض غفلة المستدل عن ذلك ؟ مع فرط وضوحه ؟ وليس له وجه صحة إلا ما ذكرنا ، وحاصله : أن المعقول - والمراد به

--> ( 1 ) التوحيد - للصدوق - : 99 ، ب 6 ، ح 7 : والحكايات - للمفيد - : 132 . ( 2 ) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . ( 3 ) مقالات الإسلاميين 1 / 113 ، والفرق بين الفرق : 67 . ( 4 ) الفرق بين الفرق : 67 . ( 5 ) مروج الذهب : 5 / 20 رقم 2917 . ( 6 ) شرح الأصول الخمسة : 225 . ( 7 ) شرح الأصول الخمسة : 225 .