حسن الأمين
221
مستدركات أعيان الشيعة
ما يمكن فرضه موجودا - إما أن يكون مستقلا بنفسه في الوجود ، أو يكون غير مستقل ، والأول هو الذات ، ويسميه المستدل « جسما » والثاني هو العرض ، والبارئ تعالى لا يكون عرضا ، فهو « الجسم » . والمراد بالعرض عند هشام هو « المعنى » وهو لا يراه « شيئا » كما عرفت ( 1 ) لأن العرض هو ما يعرض غيره في الوجود ، ولا يجب لبثه كلبث الأجسام ( 2 ) وهذه الحقيقة قد استدل عليها القاضي نفسه ، في بيان استحالة كون البارئ تعالى « عرضا » ( 3 ) وظهر أن مراد هشام من « فعل الجسم » في استدلاله هو العرض ، المقابل للجوهر ، في اصطلاح الفلاسفة . والقاضي عبد الجبار استعمل كلمة « فعل الجسم » بمعنى آخر ، واستعمله في الاستدلال على أن الله تعالى لا يجوز أن يكون جسما ، وقد فسره أبو رشيد بان المقصود من « فعل الجسم » : إحداثه واختراعه ( 4 ) وهذا تفسير للفعل بمعناه اللغوي ، وإضافته إلى مفعوله ، كما أن مراده بالجسم هو المعنى المتداول ، وعلى هذا فلا يرتبط باستدلال هشام ولا مصطلحه في كلتا الكلمتين : « الجسم » و « فعل الجسم » . وقد التزم بنفس استدلال هشام من علماء عصرنا الشيخ محمد عبده المصري ، فقال : إن أريد من « الجوهر » القائم بذاته ، ومن « العرض » القائم بغيره ، لكان البارئ « جوهرا » وصفاته « عرضا » . ولا منع إلا من جهة الإطلاق الشرعي ، حينئذ ( 5 ) فان جعله « الجوهر » - المفسر بالذات - في مقابل « العرض » هو مثل مقابلة « الجسم » بمعنى الشيء القائم بالذات في مقابل « العرض » في كلام هشام . وهذا أيضا يبتني على اصطلاح خاص في معنى « الجوهر » كما أن ذاك كان مبتنيا على اصطلاح خاص في معنى « الجسم » . وإلا فالجوهر بمعنى ما له ماهية ، لا يمكن إطلاقه على البارئ جل ذكره . وهشام بقوله « جسم » وإطلاقه على البارئ تعالى ، لا يثبت أية مادة له تعالى ، ولا أنه ماهية ، بل - ذكرنا - أراد بهذه اللفظة التعبير عن كونه تعالى « شيئا » بحقيقة الشيئية ، وهو « الموجود » و « القائم بنفسه » فلا يصح عنده التعبير عنه تعالى بالجوهر . ويشهد لذلك أن هشاما كان ممن ينكر الجوهر الفرد . قال الأشعري - وهو يتحدث عمن يزعم - : أن الجزء يتجزأ أبدا ، ولا جزء إلا وله جزء ، وليس لذلك آخر إلا من جهة المساحة ، وأن لمساحة الجسم آخرا ، وليس لأجزائه آخر من باب التجزي ، والقائل بهذا القول هشام بن الحكم وغيره ( 6 ) فكل جوهر - عند هشام - لا بد أن يكون متالفا من أكثر من جزء ، وكل متالف متحيز ، وكل متحيز لا بد أن يكون يمينه غير يساره ، وقدامه غير خلفه ، وكل ما يتميز أحد جانبيه عن الآخر ، فهو منقسم ، وكل منقسم فليس ب « أحد » ( 7 ) والله جل ذكره يقول : * ( ( قل هو الله أحد ) ) * ( سورة التوحيد ( 112 ) الآية ( 1 ) ) . وكما أن صدر المقولة « جسم لا كالأجسام » يثبت وجود البارئ تعالى ، فهو إخراج له عن حد التعطيل ، فكذلك ذيلها ينفي عنه تبارك ذكره كل شبه للأجسام ، ومماثلة بينه وبينها ، فهو إخراج له تعالى عن حد التشبيه ، كما تدل عليه الآية الكريمة : * ( ( ليس كمثله شيء ) ) * . فهذه الآية نفت عن وجوده تعالى المماثلة لغيره من الأشياء . ومما يدل على أن قوله في ذيل المقولة : « . . لا كالأجسام » هو بمعنى * ( ( ليس كمثله شيء ) ) * هو وجود هذه الآية مكان ذلك الذيل في مورد نقل كلام هشام ، في حديث الحماني : إن هشام بن الحكم زعم أن الله ( جسم ليس كمثله شيء ) ( 8 ) وهذا الذيل ضروري لتكميل التنزيه ، كما عرفت ، ولذلك قال ابن حزم : لو أتانا نص بتسميته تعالى « جسما » لوجب علينا القول بذلك ، وكنا حينئذ نقول : إنه « لا كالأجسام » ( 9 ) 5 - المقولة لا تدل على التجسيم قد ثبت أن المقولة حسب مصطلح هشام لا تدل على عقيدة التجسيم ، بل تدل على التنزيه الكامل عن حدي التعطيل والتشبيه ، وغاية ما تدل عليه أن هشاما كان يطلق اسم « الجسم » على البارئ تعالى ، وغرضه إثبات وجوده ، وأنه « شيء » « قائم بنفسه » وليس « عرضا » . نعم تبقى المقولة مخالفة لمسألة توقيفية أسماء الله تعالى ، وذاك أمر آخر سيأتي ذكره في نهاية البحث . وقد صرح المحققون من العلماء بعدم دلالة هذه المقولة على اعتقاد التجسيم : 1 - منهم الشيخ المفيد فقد ذكر ما نصه : لم يكن في سلفنا من تدين بالتشبيه من طريق المعنى ، وإنما خالف هشام وأصحابه جماعة أصحاب أبي عبد الله ع بقوله في « الجسم » فزعم أن الله « جسم لا كالأجسام » ( 10 ) فنفيه التشبيه من طريق المعنى ، يشمل هشاما وغيره ممن اتهموا بذلك ، والتشبيه من طريق المعنى هو التجسيم الحقيقي ، ويقابله تنزيه
--> ( 1 ) اللمع - للأشعري - : 3 - 34 . ( 2 ) مذاهب الإسلاميين 1 / 417 . ( 3 ) شرح الأصول الخمسة : 231 . ( 4 ) انظر الاستدلال وتوضيحه في : ديوان الأصول : 597 . ( 5 ) الشيخ محمد عبده : 531 . ( 6 ) مقالات الإسلاميين 1 / 124 . ( 7 ) اللوامع الإلهية - للفاضل المقداد - : 87 ، وانظر : الفصل - لابن حزم - 5 / 66 . ( 8 ) التوحيد - للصدوق - : 100 ، ب 6 ، ح 8 . ( 9 ) الفصل 2 / 118 - 119 . ( 10 ) اللمع - للأشعري - : 3 - 34 .