حسن الأمين

217

مستدركات أعيان الشيعة

وهذا يحتوي على طرفين : الأول : أن يكون ذا أجزاء متكتلة . الثاني : أن يكون متحققا في الخارج ، فما كان ذا أجزاء وتحقق في الخارج ، اشترك مع معنى الجسم اللغوي في كلا الأمرين . وإن لم يكن مادة ، وليس له أجزاء ، وإنما له تحقق في الخارج ، فهو « شيء » بحقيقة الشيئية ، وهي التحقق والثبوت في الخارج ، واشتراكه في هذا مع « الجسم » يصحح إطلاق « الجسم » عليه في عبارة المقولة ، ولا يحتاج إلى مادة ، ولا تحيز ، ولا غير ذلك من خواص الأجسام . وقد اعترض الشيخ الصدوق على هذا التواضع ، فقال : إن لم يرجع منه ( أي من إطلاق « الجسم » على البارئ ) إلا على التسمية فقط ، كان واضعا للاسم في غير موضعه ، وكان كمن سمى الله عز وجل إنسانا ، ولحما ، ودما ، ثم لم يثبت معناها ، وجعل خلافه إيانا على الاسم ، دون المعنى ( 1 ) أقول : وحاصل اعتراضه في أمرين : 1 - في أن هذا من باب وضع اللفظ في غير موضعه . فإن كان مراده أنه استعمال للفظ في غير ما وضع له ، فلم يرد به المعنى الحقيقي ، فهذا مع وضوحه ، ليس مخالفا ، إذا كان استعمالا مجازيا على أساس علقة مجازية ، كما شرحنا ، لصحة المجاز بالوضع العام . وليست فيه مخالفة لأصل عقلائي معلوم ، ولا معارضة فيه لفرع شرعي مستدل عليه ، كما ذكر السيد الشريف المرتضى ، حيث قال : فاما ما رمي به هشام بن الحكم من القول بالتجسيم ، فالظاهر من الحكاية عنه القول ب « جسم لا كالأجسام » ولا خلاف في أن هذا القول ليس بتشبيه ، ولا ناقض لأصل ، ولا معترض على فرع ( 2 ) وليس محرما على أحد أن يصطلح لنفسه لفظا يضعه على معنى خاص في نظره . نعم ، بما أن الموضوع يتعلق بأسماء الله تعالى فهو يرتبط بمسالة توقيفية هذه الأسماء وذلك خارج عن المخالفة الوضعية ، وسيأتي الحديث عن تلك المسألة . 2 - في تمثيله بما ذكر من الألفاظ ، واستهجان إطلاقها على البارئ . فالفرق بين تلك الألفاظ وبين لفظ « الجسم » واضح ، حيث إن تلك الألفاظ لا تطلق بحقيقتها على الله كما هو واضح ، وليس لها معنى مجازي قابل للإطلاق عليه تعالى ، يستحسنه الطبع ، فاطلاقها عليه تعالى مستهجن لما في معانيها الحقيقية من الحقارة والسقوط . مع أنه يعترض عليه بإطلاق كلمة « شيء » التي وضع هشام لفظ « الجسم » بمعناها ، وسيأتي الكلام فيها . والقاضي عبد الجبار ذكر من أطلق اسم « الجسم » عن طريق العبارة وقال : أسميه « جسما » لأنه « قائم بنفسه » . فاعترض عليه بقوله : فإن كان خلافه من هذا الوجه ، فالكلام عليه ما ذكرناه من أن الجسم إنما يكون طويلا ، عريضا ، عميقا ، فلا يوصف به القديم تعالى ( 3 ) أقول : وهذا خروج عن منهج المعارضة العلمية ، لأنه خروج عن مصطلح المعارض ، وقد ذكرنا سابقا أن المناقشة لا بد أن تبتني على المصطلح الخاص الذي قصده المعارض ، ولا يجوز محاسبة أحد على ما لم يصطلحه ولم يتواضع عليه ، فلا « مشاحة في الاصطلاح » . إلا أن يكون اعتراضه على أصل الاصطلاح ، وقد أثبتنا عدم مخالفته لشيء كما سيأتي ذكر الدليل عليه . 3 - أصل هذه المقولة إن هذه المقولة تبتني أساسا على القول بان البارئ تعالى « شيء » وهشام زعم أن إثبات « الشيء » أن يقال : « جسم » . وعلى ذلك تكون مقولة « جسم لا كالأجسام » مأخوذة من « شيء لا كالأشياء » وبمعناها . وأقدم نص شيعي احتوى على المقولة نقلا عن هشام تضمن التسوية بينهما : عن عبد الملك بن هشام الحناط : قلت لأبي الحسن الرضا ع : زعم هشام بن الحكم : أن الله « شيء لا كالأشياء » وأنها بائنة عنه ، وهو بائن من الأشياء ، وزعم أن إثبات « الشيء » أن يقال : « جسم » فهو « جسم لا كالأجسام » : « شيء لا كالأشياء » ثابت موجود ( 4 ) وكذلك ابن أبي الحديد فرض إطلاق هذه المقولة : « جسم لا كالأجسام » لمعنى أنه « شيء لا كالأشياء » ( 5 ) ومن قال بالتساوي بين « شيء » و « جسم » وأجاز إطلاق « شيء » على البارئ تعالى ، يقول : إنه تعالى « شيء لا كالأشياء » فلا بد أن يقول بمقولة « جسم لا كالأجسام » من جهة المعنى ، وإن تعبد بالتوقيف فهو ممنوع من جهته لا من جهة المعنى ، وذلك أمر آخر . أما إطلاق اسم « الشيء » على البارئ تعالى فقد عنون المتكلمون له ، واختلفوا فيه على مقالتين : فقال جهم ، وبعض الزيدية : إن البارئ تعالى لا يقال له « شيء » لأن الشيء هو المخلوق الذي له مثل ( 6 ) وأورد الرازي احتجاج جهم على مقالته بالقرآن ، والمعقول : أما القرآن ، فآيتان : الأولى : قوله تعالى : * ( ( الله خالق كل شيء ) ) * ( سورة الرعد ( 13 ) الآية ( 16 ) ) . فلو كان تعالى يسمى بلفظ « الشيء » لزم بحكم هذا الظاهر كونه خالقا لنفسه ، وهو محال .

--> ( 1 ) التوحيد - للصدوق - : 300 رقم 6 . ( 2 ) الشافي - للمرتضى - : 12 . ( 3 ) شرح الأصول الخمسة : 218 . ( 4 ) اختيار معرفة الرجال : 284 رقم 503 . ( 5 ) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . ( 6 ) مقالات الإسلاميين 1 / 238 .