حسن الأمين

218

مستدركات أعيان الشيعة

الثانية : قوله تعالى : * ( ( ليس كمثله شيء ) ) * ( سورة الشورى ( 42 ) الآية ( 11 ) ) . ومثل مثله هو « هو » فلما ذكر أن * ( ( ليس كمثله شيء ) ) * لزم أن لا يكون هو مسمى باسم « شيء » . وقول من قال : « الكاف زائدة » باطل ، لأن هذا ذكر : هذا الكاف خطا وفاسد ، فمعلوم أن هذا لا يليق بكلام الله تعالى . وأما المعقول : فهو : أن أسماء الله تعالى دالة على صفات الكمال ونعوت الجلال ، وقال : * ( ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) ) * ( سورة الأعراف ( 7 ) الآية ( 180 ) ) . واسم « الشيء » لا يفيد كمالا ، ولا جلالة ولا معنى من المعاني الحسنة ، فثبت أن كل ما كان من أسماء الله تعالى وجب أن يفيد حسنا ، ولفظ « شيء » لا يفيد حسنا ، فوجب أن لا يكون لله تعالى . ( 1 ) ولم يحاول الرازي الإجابة على كلام جهم هذا ، فلنذكر - نحن - ما يبدو لنا فيه من المغالطة والفساد : أما عن احتجاجه بالآية الأولى : فجوابه : أن ذلك الخطاب لا يشمل المتكلم به وهو الله تعالى شانه ، لأن مادة « الخلق » الواردة فيه تقتضي انصراف مؤداه إلى ما سواه جل ذكره ، وهذا كما لو قال أحد : « من لبس ردائي عاقبته » حيث أنه لا يشمل المتكلم نفسه ، لفرض أن الرداء هو له ، والغرض من إيراد هذا القول منع الأغيار من التصرف في الرداء . فكذلك الآية الكريمة إنما سيقت للدلالة على قدرة الله على ما سواه ، واستيلائه على كل شيء مما عداه ، لأنه خالق كل شيء ، فهي منصرفة عنه هو جل جلاله : ويدل على هذا المعنى ، ما روي عن الامام أبي جعفر محمد الباقر ، والامام أبي عبد الله جعفر الصادق ع ، قالا : كل ما وقع عليه اسم « شيء » - ما خلا الله عز وجل - فهو مخلوق ، و * ( ( الله خالق كل شيء ) ) * تبارك الذي * ( ( ليس كمثله شيء ) ) * ( 2 ) والجواب عن احتجاجه بالآية الثانية : إن زيادة الحروف ليس من باب الخطا ، ولا فساد فيه ، بل « إنما زيدت لتوكيد نفي المثل ، لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة ثانيا ، قاله ابن جني » ( 3 ) فالزيادة أسلوب عربي ، يؤدي دورا بلاغيا رائعا هو الأليق بكلامه تعالى . وأما الجواب عن احتجاجه الذي سماه معقولا ، فمن وجهين : الأول : أن المراد بالتسمية ، ليس هو تعيين الاسم الخاص عليه تعالى ، بل المراد إطلاق اللفظ عليه ، وبهذا يختلف عن الأسماء الحسنى ، فلا يسري حكمها عليه ، فالله ، بما أنه موجود ثابت ، فكما يطلق على كل ثابت أنه « شيء » فهو - تعالى - كذلك . الثاني : أن الأسماء الحسنى ، تلك ، المذكورة لله تعالى ، تدل على ما فيها من المعاني الحسنة ، باعتبار أنها أوصاف ، وأما ما يدل منها على مجرد الذات الربوبية فلا دليل على دلالته على ذلك إلا من جهة إضافته إليه جل ذكره . وإطلاق « شيء » على فرض وروده من قبيل الثاني . وقد ورد إطلاق اسم « الشيء » على البارئ تعالى : 1 - فقد سئل الإمام الصادق ع عن الله ، ما هو ؟ فقال : هو « شيء بخلاف الأشياء » أرجع بقولي « شيء » إلى إثبات معنى ، وأنه « شيء » بحقيقة الشيئية ، غير أنه لا جسم ، ولا صورة ( 4 ) 2 - وسئل الإمام الجواد ع : أيجوز أن يقال : إن الله عز وجل « شيء » ؟ . قال : نعم ، يخرجه عن الحدين : حد التعطيل ، وحد التشبيه ( 5 ) وقد استدل الرازي عليه بأمور من القرآن ، واللغة ، والإجماع : أما القرآن : فقوله تعالى : * ( ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ) ) * ( سورة الأنعام ( 6 ) الآية ( 19 ) ) . وقوله تعالى : * ( ( كل شيء هالك إلا وجهه ) ) * ( سورة القصص ( 28 ) الآية ( 88 ) ) . قال : المراد بوجهه : ذاته ، فقد استثنى ذاته من لفظ « الشيء » والاستثناء خلاف الجنس خلاف الأصل . وأما اللغة : فهي أن من قال : المعدوم ليس بشيء ، قال : الموجود هو « الشيء » فهما لفظان مترادفان ، فإذا كان « موجودا » كان « شيئا » . ومن قال : المعدوم شيء ، قال : الشيء : ما يصح أن يعلم ويخبر ( 6 ) عنه ، فكان « الموجود » أخص من « الشيء » وإن صدق الخاص صدق العام ، فثبت أنه تعالى مسمى بالشيء ( 7 ) وأما الإجماع : فالأولى أن يقال : أجمع الناس - قبل ظهور جهم - على كونه تعالى مسمى بهذا الاسم « الشيء » والإجماع حجة ( 8 ) وقال الأشعري : قال المسلمون - كلهم - إن البارئ « شيء لا كالأشياء » ( 9 )

--> ( 1 ) لوامع البينات ، المطبوع باسم « شرح أسماء الله الحسنى » للرازي : 7 - 358 . ( 2 ) التوحيد - للصدوق - : 105 - 106 . ب 7 . ح 3 و 4 و 5 . ( 3 ) مغني اللبيب - لابن هشام - : 238 . ( 4 ) التوحيد - للصدوق - : 104 ، ب 7 . ح 2 . ( 5 ) التوحيد - للصدوق - : 104 ب 7 ح 1 ، وص 107 ح 7 . ( 6 ) كذا الصواب ، وكان في المصدر : « يعبر » ولا معنى له ، لاحظ التعريفات للجرجاني : 57 وانظر : الحكايات : 122 و 144 . ( 7 ) لوامع البينات - للرازي - : 357 . ( 8 ) لوامع البينات - للرازي - : 358 . ( 9 ) مقالات الإسلاميين 1 / 238 .