حسن الأمين

216

مستدركات أعيان الشيعة

الأشعري ذلك إلى المشبهة ( 1 ) وأما تفسير « الجسم » ب « القائم بنفسه » : فقد ذكره عبد الجبار ، فقال : وأما أن يكون ( التجسيم ) عن طريق العبارة ، يجوز أن يقول : إن الله تعالى « جسم » ليس بطويل ، ولا عريض ، ولا عميق ، و « لا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام » من الصعود ، والهبوط ، والحركة ، والسكون ، والانتقال من مكان إلى مكان ، ولكن أسميه « جسما » لأنه « قائم بنفسه » ( 2 ) ونسبه الشهرستاني إلى الكرامية ، فقال : أطلق أكثرهم لفظ « الجسم » عليه تعالى ، والمقاربون منهم قالوا : نعني بكونه « جسما » أنه « قائم بذاته » وهذا هو « الجسم » عندهم ( 3 ) وقال الشهرستاني أيضا : وقد اجتهد محمد بن الهيصم في إرمام مقالة أبي عبد الله ( ابن كرام ) في كل مسألة ، حتى ردها من المحال إلى نوع يفهم فيما بين العقلاء ، مثل « التجسيم » فإنه قال : أراد ب « الجسم » : « القائم بالذات » ( 4 ) وأما تفسير « الجسم » ب « الموجود » : فقد نسبه الأشعري - في موضع - إلى هشام ، فقال : زعم هشام بن الحكم أن معنى « موجود » في البارئ تعالى أنه « جسم » لأنه « موجود » : « شيء » ( 5 ) ونسب إلى قوم : أن معنى « الجسم » . . . هو « الشيء الموجود » وأن البارئ لما كان « شيئا موجودا » كان « جسما » ( 6 ) وذكر الجويني ما نصه : معنى « الجسم » : « الموجود » وأن المعني بقولنا : إن الله « جسم » أنه « موجود » ( 7 ) ونقل الإيجي هذا التفسير عن بعض الكرامية ، ونقل التفسير السابق عن آخرين منهم ، فقال : ذهب بعض الجهال إلى أنه « جسم » فالكرامية قالوا : هو « جسم » أي « موجود » وقوم قالوا : هو « جسم » أي « قائم بنفسه » ( 8 ) وهكذا نجد التفاسير الثلاثة « للجسم » قد جمعها الأشعري في عبارة واحدة ، ونسبها إلى هشام ، وكأنها بمعنى واحد : الشيء ، والموجود ، والقائم بنفسه . هذا ، ومن ناحية أخرى نجدهم يفسرون كل واحد من هذه الثلاثة بالمعنى الآخر : قال ابن حزم - في معنى قولنا « شيء » - : إنه « الموجود » ثم قال : إن قالوا : هو « الموجود » صاروا إلى الحق ( 9 ) وقال الأشعري - في معنى : أنه تعالى « شيء » - : قال قائلون : معنى أن الله « شيء » : معنى أنه « موجود » وهذا مذهب من قال : لا « شيء » إلا « موجود » ( 10 ) وقال الرازي : من قال : المعدوم ليس بشيء ، قال : الموجود شيء ، فهما لفظان مترادفان ، فإذا كان « موجودا » كان « شيئا » ( 11 ) وذكر - في معنى : أنه « موجود » أقوالا ، منها : 4 - « موجود » بمعنى : أنه « شيء » . 5 - « موجود » بمعنى : أنه « قائم بنفسه » ( 12 ) واحتمل القاضي عبد الجبار - في معنى « قائم بنفسه » : 1 - أنه « موجود » . 2 - أو « موجود باق » . 3 - أو « لا يحتاج وجوده إلى محل ومكان » ( 13 ) وقضية قياس المساواة أن يقال : إن المعاني الثلاثة : الشيء ، الموجود ، القائم بنفسه ، هي بمعنى « الجسم » كما نسب إلى هشام أولا . والحق أن مصداقها - على مصطلح هشام - واحد ، وإن اختلف مفهوم كل عن الآخر ، وإنما الاختلاف بالاعتبارات الدخيلة : فباعتبار صحة الخبر عنه ، وتعلق العلم به وإثباته ، يسمى « شيئا » . وباعتبار تحققه ، واتصافه بالوجود ، يسمى « موجودا » . وباعتبار استقلاله في التحقق ، يسمى « قائما بنفسه » . وقد اعترف تلامذة هشام بهذا المصطلح ، وأن إطلاق « الجسم » على البارئ سبحانه بمعنى « الشيء » . قال ابن أبي الحديد : وأما من قال : إنه « جسم لا كالأجسام » على معنى أنه بخلاف « العرض » الذي يستحيل أن يتوهم منه فعل ، ونفوا عنه معنى الجسمية ، وإنما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى أنه « شيء لا كالأشياء » فأمرهم سهل ، لأن خلافهم في العبارة ، وهم علي بن منصور ، والسكاك ، ويونس بن عبد الرحمن ، والفضل بن شاذان ، وكل هؤلاء من قدماء رجال الشيعة ( 14 ) ومن المعقول - في العادة - أن يمثل التلامذة آراء أستاذهم ( 15 ) فهشام قد اصطلح للجسم معنى خاصا هو « الشيء » . وأما مناسبة هذا المعنى ، للمعنى المفهوم لغة : فلأن المعنى اللغوي - كما مر - هو : تجمع الشيء وتكتله في الخارج ،

--> ( 1 ) مقالات الإسلاميين 2 / 180 . ( 2 ) شرح الأصول الخمسة : 218 . ( 3 ) الملل والنحل 1 / 109 ، ولوامع البينات - للرازي - : 359 . ( 4 ) الملل والنحل 1 / 112 . ( 5 ) مقالات الإسلاميين 2 / 182 . ( 6 ) الشامل في أصول الدين : 166 - طبعة ريتر - الإسكندرية ، وانظر : مذاهب الإسلاميين 1 / 72 . ( 7 ) مقالات الإسلاميين 1 / 124 . ( 8 ) المواقف - بشرح السيد الشريف - : 473 . ( 9 ) الفصل 5 / 43 . ( 10 ) مقالات الإسلاميين 2 / 180 . ( 11 ) لوامع البينات - للرازي - : 357 . ( 12 ) مقالات الإسلاميين 2 / 185 . ( 13 ) المغني - لعبد الجبار - 4 / 180 . ( 14 ) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . ( 15 ) هشام بن الحكم - لنعمة - : 69 .