حسن الأمين

215

مستدركات أعيان الشيعة

وهذا هو رأي المجسمة أيضا ( 1 ) وقد اصطلح هشام بن الحكم وتلامذته في « الجسم » معنى خاصا . قال السيد أبو القاسم الخوئي - معقبا على مقولة « جسم ، ليس كمثله شيء » - : إن نفي المماثلة يدل على أنه لا يريد من كلمة « الجسم » معناها المفهوم ، وإلا : لم يصح نفي المماثلة ، بل يريد معنى آخر غير ذلك ( 2 ) فما هو ذلك المعنى المصطلح ؟ وهل يصح لهشام أن يصطلح لنفسه معنى يخالف العرف ؟ وما هو الدليل على صحة هذا التصرف ؟ ولا بد - قبل الدخول في هذه المباحث - من التذكير بان معرفة مصطلح كل مذهب ، ضروري جدا لفهم مقاصده ، وإمكان معارضته ، لأن أساس ذلك المذهب إنما يدور على محور مصطلحاته ، ولا يصح - في عرف العلماء - أن يحاسب أحد إلا على ما أظهره من مراده على مصطلحه ، كما لا يجوز لأحد أن يحاسب الآخرين على أساس ما اتخذه هو مصطلحا لنفسه ، بخلاف الآخرين . وقديما قيل : « لا مشاحة في الاصطلاح » . أما صحة الاصطلاح الخاص ، فيمكن معرفتها من خلال ما يلي : 1 - قال القاضي عبد الجبار المعتزلي : قال شيوخنا : لو أن أهل اللغة بدا لهم في العربية على الوجه الذي تواضعوا عليه ، وغيروه حتى يجعلوا « قديما » مكان « محدث » و « عالما » مكان « جاهل » و « طويلا » مكان « قصير » كان لا يمنع ( 3 ) 2 - وقال : قال شيوخنا : لو تواضع قوم على تسمية كل موجود : « جوهرا » أو « جسما » على تسمية « القائم بنفسه » بذلك ، لحسن منهم وصف القديم تعالى بأنه « جسم » إلا أن يحصل نهي سمعي عن ذلك ( 4 ) أقول : أما مسألة النهي الشرعي ، فلا مدخل لها في صحة التواضع وعدمها ، وسيأتي البحث عن توقيفية أسماء الله تعالى ، في نهاية البحث . وأما الفرد أو الجماعة الذين يصح منهم الاصطلاح والتواضع الخاص ، فهم في عبارة القاضي الأولى « أهل اللغة » وليس المراد بهم علماء اللغة ، اللغويون الذين تخصصوا بمعرفتهم بها بالدراسة والبحث كعلم من العلوم ، بل المراد بهم أهل اللسان الذين نشاوا عليها ونطقوا بها كلغة لهم ، ومنهم انطلقت مفرداتها ، وأخذت تراكيبها ، وتألفت قواميسها ، فقد كان لهؤلاء الحق في أن يضعوا - من البداية - لكل معنى لفظا يدل عليه ، ينتخبونه على حسب سلائقهم وما يقارن الوضع من الأمور ، باعتبار أنهم آباء اللغة وأولياؤها ، ولو كانوا يضعون الأسماء على غير ما يعرف اليوم لها من المعاني ، لما كان ممتنعا . أما بعد ما حصل من التواضع ، وما تم إثباته في متن اللغة ، فليس لأحد من المتخصصين بعلم اللغة تغييره عما وضع عليه ، وتبديله عما ثبت سماعه منهم أو قياسه عنهم . وعبارة القاضي الثانية : تنظر إلى أهل الاختصاص بالعلوم ، ولم يذكر الخصوصيات المشترط توقرها في القائم بوضع الاصطلاح الخاص . والذي أراه أن ذلك مشروط بأمرين : الأول : أن لا يكون التواضع الجديد على نقيض المعنى اللغوي ، ولا معارضا له بالتباين . فلو اشتركا في بعض الأفراد ، أو ارتبطا بعلقة مجازية ، صح التواضع على غير المعنى اللغوي ، ومن هنا يعلم : أن كون القائم بالوضع الجديد عارفا بلغة التواضع ، ليحقق هذا الشرط ، هو أمر أساسي ، كما لا يخفى . الثاني : أن يكون التواضع الجديد مبتنيا على دليل منطقي ، قابل للتصور ، بان لا يكون منافيا لضرورة العقل ، أو قضية وجدانية . قال الشيخ محمد عبده - في توقيفية أسماء الله - : الألفاظ التي لا تفهم إلا الكمال ، ولا تشوب ظاهرها شائبة النقص ، فيجوز إطلاقها على الله تعالى ، بلا حرج . وأضاف : ولكل قوم أن يصطلحوا في ذلك على ما شاؤوا ، كيف ؟ ولنا أن نستدل على إثبات صفات كمالية للواجب تعالى ، ثم نعبر عنها بمشتق ؟ ( 5 ) ومن هنا ، فان لهشام بن الحكم الحق في أن يصطلح معنى خاصا لكلمة « جسم » فيطلقها ، إذا توفر فيه الشرطان ، ولا يمنع منه إلا موضوع « توقيفية أسماء الله تعالى » . التي سنتحدث عنها في نهاية البحث ، أما هنا فيجب أن نعرف « مصطلح هشام » ثم « الدليل على اختياره لهذا المصطلح » . أما مصطلحه : فقد ذكروا : أن « الشيء » عنده لا يكون إلا « جسما » ( 6 ) ونقلوا عنه : أنه زعم : أن إثبات « الشيء » أن يقال : « جسم » ( 7 ) وقالت فرقة من المعتزلة : لا « شيء » إلا « جسم » ( 8 ) وقال الأشعري - في الاختلاف في الدقيق ، و « الجسم » - : 9 - هشام بن الحكم ، وكان يقول : أريد بقولي : « جسم » أنه « موجود » وأنه « شيء » وأنه « قائم بنفسه » ( 9 ) هكذا جمع الأشعري بين هذه التفسيرات الثلاثة ، في مصطلح هشام في « الجسم » ، وظاهر ذلك أنها كلها متساوية ، وتعطي مفهوما واحدا . وقد عرفت أن « الشيء » و « الجسم » واحد عند هشام ، كما نسب

--> ( 1 ) ديوان الأصول : 595 . ( 2 ) معجم رجال الحديث 19 / 358 . ( 3 ) المغني - لعبد الجبار - 5 / 172 . ( 4 ) المغني - لعبد الجبار - 5 / 173 . ( 5 ) الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين : 604 . ( 6 ) الفرق بين الفرق : 67 . ( 7 ) اختيار معرفة الرجال : 284 رقم 503 . ( 8 ) مقالات الإسلاميين 1 / 245 . ( 9 ) مقالات الإسلاميين 2 / 6 ، وطبعة ريتر : 304 .