حسن الأمين
205
مستدركات أعيان الشيعة
عهد جديد من المجاملات . وتبع ذلك فك الحصار عن البصرة . عودة إلى الحرب إلا أن نادرا أيقن بان السلطان العثماني لا ينوي الموافقة على معاهدة الصلح ، فاستأنف محاربة العثمانيين ، وحاصر « قارص » في سنة 1157 ه . وفيما هو يحاصرها عاد العثمانيون فطلبوا الصلح . فانصرف عنها استجابة لهم ، وذهب للإقامة في نواحي « إيروان » ، فوصلها في الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة 1158 ه . وفي هذا السفر شعر باعراض مرض شخصه الطبيب بأنه مبادئ استسقاء . واشتد به المرض حتى عجز في بعض المنازل عن ركوب الخيل فحملوه على المحمل المعروف بالتختروان . ولكن العثمانيين عادوا فاصروا على الحرب ، فعاد نادر إلى مهاجمة « قارص » ، ونشبت معركة شديدة عندها ، انتهت بانهزام العثمانيين ، فتراجعوا إلى المدينة يتحصنون في داخلها . وفيما هو يدير هذه المعركة تلقى خبرا من ابنه « نصر الله ميرزا » بأنه انتصر على العثمانيين انتصارا باهرا في نواحي الموصل . فازدادت عزيمته شدة . وبلغه أن وقع في « قارص » شغب في عسكر العثمانيين على قائده ، وأنه قد قتل أو مات غما . وفي ذلك الوقت أمر نادر بإقامة احتفال فخم لعقد قران ابنه الثالث « إمام قلي ميرزا » وقران « إبراهيم خان » ابن أخيه القتيل « إبراهيم خان ظهير الدولة » . ثم احتل المدينة . وقتل في معركة « قارص » هذه من العثمانيين اثنا عشر ألفا وأسر ستة عشر ألفا . وكان بين القتلى ثلاثة باشوات وجماعة من كبار الضباط . وعامل نادر الأسرى بالحسنى وأوكل العناية بالجرحى إلى أحد رؤساء الجيش العثماني . وبعث بالأسرى إلى طهران وتبريز . ثم بعث برسالة ودية إلى السلطان محمود العثماني جاء فيها : « يصرف النظر عن الاقتراح الذي سبق بشأن المذهب ، إذ أوجد بين الشعبين المسلمين ضغينة وسفك دماء . ومن الآن فصاعدا تبقى صداقة الشعبين المتجاورين صداقة رساخة » . ثم ذهب إلى أصفهان العاصمة في السابع والعشرين من شهر رجب سنة 1158 ه . وفي أثناء حروبه هذه استطاع قواده وحكامه أن يقضوا على عدة ثورات عنيفة نشبت في نواحي بلاد الكرج والأكراد والقفقاس وشيروان وغيرها . واستقامت الأمور فيها . وانضم كثير من جنود الثوار إلى جيشه . وكذلك قامت ثورات عنيفة في إيران نفسها فقضى عليها قواده العسكريون . عوامل سلبية وكان الباعث على هذه الثورات أحيانا تذمر الناس من قسوة طرأت على أخلاق نادر بسبب مرضه والمشقات التي تحملها ، فكلف الناس ما لا يطيقون من الضرائب وتعسف جباته في تحصيلها . واستغل خصومه وحساده من الرؤساء نقمة الناس فخرجوا عليه ونصرهم كثير من الأهالي . وكان من جملة الخارجين عليه ابن أخيه « علي قلي خان » وقد رباه نادر في حجره وأحسن إليه بعد مقتل أبيه « إبراهيم خان » في داغستان . أرسله إلى « سيستان » ليقمع ثورة قامت فيها فانضم إلى الثوار . وكان نادر قد صادر أموال أبيه إبراهيم وفرض عليه ضريبة مائة ألف تومان ، فنقم عليه لذلك . وانتشر نبا خروج « علي قلي خان » على عمه بسرعة في كل أنحاء إيران وآزره خلق كثير خرج بهم إلى « هرات » فوصلها في أواسط ربيع الثاني سنة 1160 وانضم إليه كثير من أهل تلك النواحي . وأصبح بعد ذلك يعمل على استخلاص تاج إيران لنفسه . تتويج نادر في الثامن من شهر رمضان سنة 1148 هبعث نادر برسائل إلى حكام بلاده وأعيانها وعلمائها يقول فيها إن مساعيه لاسترداد الأراضي والمدن المغتصبة كانت تمنعه حتى الآن من إقرار حكومة منظمة في المملكة . وأخبرهم أنه سيحضر قريبا إلى « تبريز » أو « قزوين » ويدعو الحكام ورؤساء قوات الأمن وعمد المدن وسائر المسؤولين عن أمور الحكم ، إلى الاجتماع هناك لوضع النظام لحكومة تبسط قوانينها على جميع أنحاء البلاد . وهذا ما يعرف اليوم باسم « الجمعية التأسيسية » . وأعلمهم في تلك الرسائل أنه ، بعد إتمام هذا العمل ، سيترك الحكم ويعتزل في ركن من خراسان . كان قد خلع الشاه طهماسب عن العرش ، بعد إقدامه على محاربة العثمانيين بدون علم من نادر ، وانهزامه في تلك الحرب واضطروه إلى مصالحتهم بمعاهدة جائرة سنة 1144 كما مر ، ونصب مكانه ابنه « عباس ميرزا » ، وهو طفل رضيع ، وأصبح نادر بعد ذلك في منصب « نائب السلطنة ووكيل الدولة » فله الامارة على إيران كلها . ثم أغار على الأراضي التي استولى عليها العثمانيون في غرب إيران فأخرجهم منها ، وأضاف إلى أرض إيران قسما من كردستان والعراق العربي . وفي أوائل سنة 1147 هأغار على القفقاس ، فما حل شهر رمضان من سنة 1148 هحتى كان قد استخلص أراضي ذلك الإقليم كلها من تسلط الروس والعثمانيين وتسلط الأمراء المحليين ، وأخضع المتمردين في مختلف نواحي بلاده ، وبذلك استرد كل الأرض الإيرانية المغتصبة ، وبلغ غاية القدرة والسيطرة في الحكم . فرأى أن الوقت وقت إحراز منصب الملك . فدعا إلى اجتماع شامل يعقد في « دشت مغان » ، سهل في جنوب أذربيجان يقع بين نهر « كر » ونهر « أرس » . وأمر بتهيئة مكان واسع للاجتماع وتجهيزه باثني عشر ألف منزل بعضها خيام وبعضها حجر من القصب والخشب ، وبناء حمامات ومساجد وسوق وغيرها من اللوازم ، ومنزل فخم له ولحاشيته ، وجناح خاص لنسائه ، وتهيئة ألبسة فاخرة له ولحاشيته وجنده . وفي 29 رمضان سنة 1148 هالموافق 25 كانون الثاني سنة 1736 م وصل نادر إلى مكان الاجتماع في « دشت مغان » ، وقد بدا المكان في منتهى الأبهة والزينة والاتساع . وبدأت التشريفات واستقبال المدعوين من حكام وأمراء جيش وأعيان وعلماء وسفراء وروحانيين ووفود من ممالك ودول مختلفة . وكان بين الحضور السفير العثماني والسفير الروسي و [ الكاثوليودس ] الكاثوليكوس الأرمني « أبراهام الكرتي » ، وكان نادر قد تعرف عليه في نواحي « قارص » في إحدى حروبه والعثمانيين . وقد كتب هذا الكاثوليكوس كتابا في تاريخ نادر شاه ووصف اجتماع « دشت مغان » هذا وصفا مفصلا دقيقا . وقد قدر عدد الحضور بمائة ألف . وفي الثاني من شوال سنة 1148 هأمر نادر ممثلي الولايات بالاجتماع والتشاور فيما بينهم لاختيار من يرونه الأنسب لمقام السلطنة . وقال إنه ، وقد أعانه الله فحرر أرض إيران من تسلط الأعداء واستطاع أن يبعد الأجانب إلى