حسن الأمين
206
مستدركات أعيان الشيعة
خارج حدودها ، تجعله الشيخوخة ومتاعب الحرب المتتابعة بحاجة إلى الراحة ، فهو يرغب في أن يذهب إلى خراسان ويقيم في قلعة « كلات » ، ويقضي بقية عمره في دعاء الواحد الأحد لنفسه ولهم . فليختاروا « طهماسب ميرزا » ( الشاه المخلوع ) لمقام الملك . فإن لم يريدوه فليختاروا من شاؤوا من الأسرة الصفوية . وبعد المشاورة أجمعوا على الجواب بأنهم لا يرون أليق منه بهذا المنصب . ولكنه امتنع عن القبول وامتنعوا هم عن التراجع عن ترشيحه . ودام الأخذ والرد بينه وبينهم بضعة أيام ، إذ أذعن لطلبهم وقبل بان يملك . ولكنه اشترط عليهم شروطا أهمها وعمدتها الامتناع عن كل ما يؤذي شعور أهل السنة ، وأنذر من يخالف هذا الأمر بالعقوبة الشديدة . ونبههم إلى وجوب اعتبار أهل الدولة العثمانية إخوانا لهم يجمع بين الأمتين جامع الإسلام ويحقن كل منهما دم الأخرى ، وأن لا حروب بينهما بعد اليوم ولا سفك دماء ولا عداوة ، وليس إلا المودة والإخاء ، فإلههم واحد ونبيهم واحد وقرآنهم واحد . فرد عليه ممثلو الايالات بالإيجاب والقبول لجميع شروطه . ثم حرر محضر بهذا الاجتماع وقع عليه المجتمعون كلهم . وتاريخ المحضر هو « 4 شوال المكرم سنة 1148 ه » . ثم ألبس نادر التاج ، وأقيمت معالم الفرح والاحتفال في غاية الزينة والأبهة . وبعد التتويج بعث نادر بالشاه عباس الصفوي الذي كان قد توج ، وهو طفل رضيع بعد خلع أبيه ، إلى خراسان عند أبيه طهماسب . المؤتمر السني الشيعي لما عرض السلطان محمود العثماني على نادر شاه سنة 1156 ه ، بواسطة « أحمد باشا » والي بغداد ، الصلح بشرط رجوعه عن أرض العثمانيين ، وقبل نادر بذلك ، انصرف عن محاصرة البصرة ، وتوقف عن التقدم في أرض العثمانيين في الثاني من رمضان سنة 1156 ه ، وتراجع بجيشه إلى « قره تبه » بالقرب من « كركوك » . ثم ترك جيشه معسكرا فيها ، وذهب إلى العراق لزيارة العتبات المقدسة . فلما وصل إلى بغداد استقبله السفير العثماني والوالي العثماني « أحمد باشا » وسائر رجال الدولة العثمانية الذين في بغداد . ثم زار مقام الإمام موسى الكاظم والإمام محمد التقي ع في « الكاظمية » من ضواحي بغداد . وزار مقام الامام أبي حنيفة في بغداد ، عبر إليه دجلة هو ومرافقوه على سفن أعدها لهم الوالي العثماني وزينها زينة أنيقة مترفة . وفي أول شوال سنة 1156 هزار العتبات المقدسة في كربلاء . وتبرعت زوجته « رضية بيغوم » بنت الشاه حسين الصفوي بمبلغ كبير لتعمير العتبات وترميمها . وبعد مدة قصيرة ذهب إلى النجف ، وفي ركابه علماء من إيران والأفغان وبلخ وبخارى ، وسائر البلاد الإيرانية . وهناك أمر بتغشية مقام الإمام علي بن أبي طالب ع بالذهب . وكانت له غاية أخرى من هذه الزيارة هي القيام بعمل حاسم لتحقيق اتحاد أهل السنة والشيعة . وهي أمنية قديمة في نفسه سعى إليها أكثر من مرة ، ونبه إليها بالتفصيل في خطابه يوم تتويجه في « دشت مغان » سنة 1148 ه . وكان يجعلها دائما عمدة شروطه لمصالحة العثمانيين . ومن أجل ذلك طلب عقد مجلس في النجف يشترك فيه أهل السنة والشيعة يتالف ممن معه من العلماء وعلماء الديار المقدسة من بلاد ما بين النهرين ، للنظر في المسائل التي هي موضع الاختلاف وإيجاد حل لها ( 1 ) فاجعة ولي العهد كان في نفس نادر شاه شيء من ابنه الأكبر ولي عهده « رضا قلي ميرزا » ، لسوابق تلكأ في بعضها عن إنفاذ أمر أبيه وعانده في بعضها . وفي شهر رجب سنة 1151 هاختاره لمنصب نيابة السلطنة ومنصب قيادة الجيش الإيراني . وفي تلك السنة سار نادر إلى غزو الهند وبقي ولي عهده في إيران نائبا عنه . وقبل مسيره أوصاه بأشياء وبين له حدود سلوكه وتصرفاته . وكان مما أوصاه به المحافظة على الشاه طهماسب ، وكان في الإقامة الجبرية في مدينة « سبزوار » مع ابنه الشاه عباس الطفل وابن آخر أصغر منه اسمه إسماعيل ، وأن يختار حراسهم من المؤتمنين . ولكن « رضا قلي ميرزا » سار في غيبة أبيه سيرة على خلاف ما أوصاه به . فاستبد استبدادا أوقع الرعب في قلوب الناس . واتخذ لنفسه من مظاهر الأبهة والترف شيئا كثيرا . وعزل بعض خواص أبيه عن مناصبهم بتحريض ممن كانوا يتلمقونه من خصومهم وخصوم أبيه فينخدع بهم . وفي سنة 1152 هانتشرت شائعة قوية في إيران أن نادرا لقي حتفه في الهند ، وأن وباء قاتلا وقع في عسكره . فحسن أحد ندماء ولي العهد ، واسمه « محمد حسين خان القاجاري » له أن يحتاط لنفسه فيقتل الشاه طهماسب وولديه ، خوفا من أن يغتنم أنصار الصفويين فرصة موت نادر فيثوروا عليه ليعيدوا الملك إليهم . فقبل كلام هذا القاجاري وبعث به هو نفسه إلى « سبزوار » فقتلهم ثلاثتهم على نحو فظيع . وكان عمر الشاه عباس يومئذ ثماني سنوات وأخوه إسماعيل أصغر منه . وكان « رضا قلي ميرزا » متزوجا من « فاطمة سلطان بيغوم » أخت الشاه طهماسب . فلما بلغها نبا مقتل أخيها وابنيه انتحرت . والظاهر أنهم قتلوا سنة 1153 ه . ولما عاد نادر من الهند ورأى ما اتخذه ابنه من مظاهر البذخ والسلطان على خلاف ما أوصاه به وعلم بمقتل الشاه طهماسب وولديه غضب وازداد شكه في نوايا ولي عهده وأحزنه مقتل الشاه والطفلين ، فعزله من ولاية العهد وجعلها لابنه « نصر الله ميرزا » . وبعد مضي سنة من إطلاق الرصاصة على نادر في غابة « سواد كوه » سنة 1154 ه ، وهو في طريقه إلى داغستان ، عرف الجاني وقبض عليه واعترف بذنبه . فلما سئل عن المحرض له على ذلك نفى أن يكون قد حرضه أحد ، وأصر على أنه أقدم على محاولة القتل من تلقاء نفسه . فوعده نادر بالعفو عنه إن هو أقر باسم المحرض . عندئذ ذكر اسم « رضا قلي ميرزا » . ولكن الرأي الغالب عند المؤرخين ، ومنهم الأب « لويس بازن » والدكتور « ليرش » وهما من أوسع المؤرخين اطلاعا على تاريخ إيران ، أن « رضا قلي ميرزا » بريء من هذه التهمة ، وأن الجاني إنما ذكره لينجي نفسه من القتل
--> ( 1 ) ذكرت التفاصيل في ترجمة علي أكبر ملاباشي في المجلد الثامن من ( أعيان الشيعة ) فلا نعيدها هنا .