حسن الأمين
204
مستدركات أعيان الشيعة
مكان أرفع . وظل هادئا متكئا على مسنده فيها ينظر إلى السيل حوله غير مكترث له . وفي هذه الأثناء وصله تقرير من قائد جيش كان قد سيره إلى داغستان أن « اللزكيين » تهيئوا للحرب في السفوح الجنوبية والشمالية من جبال القفقاس . ونشبت معركة شديدة انتهت بانهزام « اللزكيين » واحتل الإيرانيون أماكنهم . فبعث بخلع ثمنية إلى ضباط الجيش ومكافات مالية للجنود الأفاغنة ، وكانوا يحاربون مع الإيرانيين ، ثم وصله تقرير آخر أن القوات الإيرانية حملت على « اللزكيين » مرة ثانية في مكان آخر وانتصرت عليهم . محاولة اغتيال نادر ولما انخفض سيل الماء تابع نادر سيره إلى طهران . فلما وصل إلى غابة تعرف بغابة « سواد كوه » على مقربة من قلعة اسمها « أولاد » أطلقت عليه رصاصة من وراء شجرة على بعد عشرين قدما منه فأصابته بجرح بسيط في يده وأصابت حصانه فقتلته . ولم يمكن العثور على مطلق الرصاصة . وكان ذلك في 28 صفر سنة 1154 ه . ولما وصل إلى طهران أبقى فيها ابنه « رضا قلي ميرزا » - وكان قد أصبح يسيء الظن به - ثم تابع سيره إلى قزوين . وكان منذ مدة يشكو اعتلالا في صحته . وقد صحب معه من الهند طبيبا اسمه « علوي خان » . وفي قزوين أذن لهذا الطبيب ، بناء على وعد سابق منه ، بان يتركه ويذهب إلى مكة لأداء فريضة الحج . وأصبح اعتلال صحته يزداد يوما بعد يوم ، ويؤثر في حالاته الروحية والعصبية . متابعة الحملة على داغستان ومن قزوين تابع مسيره إلى إقليم داغستان . وفي أول جمادى الأولى سنة 1154 هكان قد أصبح في قلب هذا الإقليم . وفي الخامس من شعبان من تلك السنة دخل « دربند » على شاطئ بحر الخزر الغربي . ولكن حملته هذه منيت بنكبات كثيرة من برد وسيول ووعورة طرق ونفاد مئونة وأصيبت بهزائم عسكرية شديدة . وكان قد أقام معسكره في نواحي « دربند » فسماه « إيران خراب » ( 1 ) لكثرة ما لقي من البلاء . ثم وقع في عسكره الطاعون . وكاد هو نفسه يقتل وكانت نجاته المعجزة . بل وصل بعض المتمردين إلى خيمته نفسها وخطفوا بعض نسائه وسرقوا بعض الأثاث . وبلغ غضبه من هذه الحادثة إلى أن قتل جماعة من حرسه من ضباط وجنود . وبذل ممثل الدولة الروسية في إيران جهدا كبيرا ليثنيه عن متابعة الحملة لأنها ستفضي بإيران إلى عواقب وخيمة فلم يصغ إليه . رجوع نادر من داغستان ثم بعث بقوة من جيشه لفتح مدنية « آوار » وهي مفتاح الدخول إلى داغستان ، فأوقع « اللزكيون » بحملته هزيمة شديدة وكبدوها خسائر جسيمة . فغضب نادر إلى حد أنه قتل جماعة من ضباط تلك القوة ، ثم قاد حملة ثانية بنفسه ، ولكن « اللزكيين » اضطروه إلى التراجع أيضا . ورأى أن جميع الظروف غير مؤاتية ، فانصرف عن متابعة الغزو . وقد حصل في هذه الغزوة على بعض الانتصارات ، واحتفظ ببعض القلاع ، ولكنها انتصارات جزئية لا تساوي الخسائر التي تكبدها . وحطت نتائج هذه الغزوة من شانه ومقامه . وكان نادر قد بعث في السابق برسالة إلى السلطان محمود العثماني يطلب فيها الاعتراف بالمذهب الشيعي الجعفري والسماح لأتباعه بإقامة الجماعة إلى أحد أركان الكعبة أسوة بغيرهم من أهل المذاهب . فجاءه ، وهو في معسكره ذاك ، سفير من قبل السلطان العثماني وأبلغ إليه أن السلطان يرفض هذا الطلب . وبلغه أيضا أن الدولة العثمانية بعثت بحشود عسكرية عظيمة إلى حدود إيران . فلم يجد بدا من الانصراف إلى محاربة العثمانيين . فغادر داغستان في الخامس عشر من ذي الحجة سنة 1155 همتوجها نحو الجنوب . استئناف محاربة العثمانيين فلما استقر في إيران جهز جيشا من 375 ألف جندي . وفي سنة 1156 هبعث بقسم منه إلى العراق لاحتلال سامراء والحلة والنجف ومدن أخرى من أمهات المدن في بلاد ما بين النهرين فاحتلها بلا مقاومة ، وبعث قسم آخر إلى البصرة فحاصرها . وسار هو بجيش إلى إقليم « شهر زور » ( كردستان ) فاحتله بلا مقاومة . ثم احتل مدينة « كركوك » ، ولم يتابع زحفه منها ، إذ كان قد بعث إلى السلطان العثماني ، بواسطة « أحمد باشا » والي بغداد ، برسالة يقترح فيها عليه إيقاع الصلح بين الدولتين ، وكان يأمل أن يوافق السلطان على هذا الاقتراح ، فلا يضطر إلى متابعة الزحف . ولكن خاب أمله . فقد تلقى ، وهو في « كركوك » جواب رسالته من السلطان بالرفض ، وجاء في هذا الجواب أن شيخ الإسلام العثماني أفتى بان قتل الإيرانيين وأسرهم مباح لأن مذهبهم مخالف لدين الإسلام . وفي هذا الوقت بعث السلطان العثماني بأمر إلى والي الموصل بان يستميت في الدفاع عنها . فلم يجد نادر بدا من الزحف ، فسار إلى الموصل ، واحتل جميع البلدان الواقعة على طريقه إليها بلا مقاومة تذكر . وكان في جملة ما احتله محلة « كارمليس » ، وهي المكان الذي تغلب فيه الإسكندر الكبير على « داريوش » سنة 331 قبل الميلاد . واعترضه « اليزيديون » عبدة الشيطان بمقاومة شديدة انتهت بانهزامهم . فلما وصل إلى الموصل ضرب عليها الحصار . ونشبت معركة هائلة ثبت فيها الطرفان ثباتا شديدا . وذلك في الثامن من شعبان سنة 1156 ه . معاودة الصلح وفيما المعركة دائرة وصل إلى معسكر نادر مبعوث من قبل السلطان [ لعثماني ] العثماني يحمل منه رسالة إليه يقول فيها : لا مفاوضة حتى تترك القوات [ لايرانية ] الإيرانية أرض العثمانيين . فقبل نادر بذلك ، وتوقف في الثاني من رمضان سنة 1156 هعن التقدم ، وفك الحصار عن الموصل وتراجع بجيشه إلى « كركوك » و « قره تبه » . ثم انحدر إلى الجنوب لزيارة العتبات المقدسة في العراق وتهيئة المقدمات لعقد مؤتمر ديني سني شيعي في النجف للتوفيق بين الطائفتين . وهناك اجتمع بوالي بغداد وقال إنه مستعد لمفاوضة والي الموصل وإيقاف الحرب منتظرا مقترحاتهم للصلح . وبدأ بين إيران والدولة العثمانية
--> ( 1 ) كلمة « خراب » في هذا الاسم وضعها في مقابل كلمة « آباد » التي يجعلونها جزءا من أسماء كثير من البلدان ، ومعناها « معمورة » مثل « نادرآباد » أي « معمورة نادر » . وإذ كان قد لقي كثيرا من النكبات في هذه الغزوة سمى هذا المعسكر « إيران خراب » لا « إيرانآباد » .