حسن الأمين
203
مستدركات أعيان الشيعة
أسبوع أو أسبوعين حوالي عشرة آلاف جندي ، ويعيدهم في الخفاء ليلا إلى الوراء من حيث جاؤوا ، فيبتعدون بضعة كيلو مترات ويمكثون هناك حتى الصباح ، إذ يعودون إلى المعسكر في جلبة وضوضاء رافعين رايات كثيرة . يفعل ليوهم العدو أنها نجدات وإمدادات جديدة وصلت لمساعدة الجيش الإيراني . ولم يحل آخر المحرم من سنة 1146 هحتى أصبح المحصورون عاجزين عن تحمل الحصار ، فبعث « أحمد باشا » رئيس ديوانه ومحافظ بغداد سفيرين من قبله إلى نادر لمفاوضته في موضوع تسليم المدينة . ولكن حدث في هذه الأثناء أن جاءت نجدة عظيمة من العثمانيين عدتها مائة ألف جندي يقودها « توبال عثمان باشا » ، وهو من أعاظم العسكريين العثمانيين ، لمساعدة المحصورين في بغداد . وكانت هذه النجدة ، وهي في طريقها إلى بغداد ، قد رفعت الحصار عن « كركوك » وأرجعت عنها الجيش الإيراني المحاصر الذي كان نادر قد سيره لحصارها ، وهو في طريقه إلى بغداد . ومن ثم رجع « أحمد باشا » عن تسليم المدينة وثبت للحصار . ولما قرب « توبال عثمان باشا » من بغداد بعث إليه نادر برسالة قال فيها إنه حاضر لمحاربته أينما شاء . ولكن القائد العثماني اعتقل الرسول ولم يجب على الرسالة . وسار نادر بجيشه ، ليلة السادس من صفر سنة 1146 ه ، بعد أن أبقى قوة تديم الحصار ، من خط المحاصرة نحو الشمال حتى التقى بالجيش العثماني على بعد 180 كيلو مترا من بغداد على شاطئ دجلة ، حيث دارت معركة رهيبة ، انتهت بانتصار العثمانيين . وجرح فيها نادر وخسر شيئا كثيرا من العتاد والرجال . وقدر عدد القتلى من الإيرانيين بثلاثين ألفا والأسرى أكثر من ثلاثة آلاف ، ومن العثمانيين بأكثر من عشرين ألف قتيل . ودخلت القوة المنجدة بغداد وغيرها من المدن التي احتلها الإيرانيون . ووصلت أنباء هزيمة نادر إلى إيران فجرأت خصومه وأنصار الشاه طهماسب على الخروج عليه . إعادة الكرة على العثمانيين أما نادر فتلقى هذه الهزيمة بثبات واتزان . وكان يقول إن انكسار إيران كان مقدرا من الله ، ولا راد لقدره . وانصرف مرة ثانية إلى جمع قواته وتجديد جيشه ، فبعث ، وهو في طريق العودة إلى إيران ، بأمر إلى حكام الايالات الإيرانية كلها أن يقوموا بتجميع الأسلحة والمهمات الحربية ، وأن تتمركز كل القوى والتجهيزات في مدينة « همذان » . وعزل بعض حكام الولايات . وفي الثامن والعشرين من صفر سنة 1146 هذهب إلى همذان ليشرف بنفسه على تفاصيل التجهيزات العسكرية . وأنعم على الجنود الذين شاركوا في محاربة العثمانيين بمبلغ كبير من المال . وانتهى من مهمته هذه على أحسن وجه في مدة شهرين . وفي الثاني والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة 1146 هتحرك نادر بجيشه الجديد من « همذان » قاصدا إلى « كرمانشاه » . وقد تغلب الإيرانيون على العثمانيين في أول معركة جرت في نواحي « كركوك » . وقتل في هذه المعركة « توبال عثمان باشا » قائد الحملة . وقطعوا رأسه ورفعوه على رمح وبعثوا به إلى نادر علامة على النصر . فلما رآه نادر غضب غضبا شديدا من إقدام جنده على قطع رأس هذا العسكري الشجاع والقائد المجرب . ثم وضع الرأس مع بدنه في تابوت بين مظاهر الاحترام والتجليل ، وبعث به في رعاية « عبد الكريم أفندي » قاضي العسكر العثماني - وكان أسيرا عنده - إلى بغداد حيث دفن عند قبر أبي حنيفة . ثم أمر أحد قواده ، وكان يعسكر قريبا من سامراء ، باحتلال الحلة والنجف وكربلاء . وسار هو بثلاثين ألف جندي إلى بغداد . واحتل ، وهو في طريقه إليها ، السليمانية وكركوك والموصل وكردستان العثمانية . ووصل إلى بغداد في الثامن من جمادى الآخرة سنة 1146 ه . ثم انصرف عنها لطرد العثمانيين من قلاع احتلوها في الشمال ، واحتل في طريقه « أربيل » ، ثم عاد إلى محاصرة بغداد . وبعد بضعة أيام من وصوله إليها بعث إليه الوالي العثماني « أحمد باشا » في الخفاء مندوبا أراه وثائق رسمية تخول الوالي عقد معاهدة صلح بينهما بما يراه الوالي . وعرض عليه أن يعيد العثمانيون إلى إيران كل الأراضي التي استولوا عليها في مقابل انصراف الإيرانيين عن محاربتهم . وتم الاتفاق بينهما على ذلك ووقعا على معاهدة به في شتاء سنة 1146 ه . وسلم العثمانيون إلى نادر الإيرانيين الذين كانوا في أسرهم ، وقدموا إليه هدايا لائقة . وطلب الوالي مهلة مدة شهرين للحصول على موافقة دولته على المعاهدة . ثم زار نادر العتبات المقدسة في الكاظمين وكربلاء والنجف وانصرف عائدا إلى إيران . ولكن تبين لنادر فيما بعد أن العثمانيين لا يريدون الصلح وأنهم ينوون الاحتفاظ بما استولوا عليه من أرض إيران ونقض المعاهدة المعقودة بينه وبين والي بغداد . فتابع محاربتهم ومحاربة أعوانهم في أذربيجان وكرجستان والقفقاس ، ونواحي أخرى ، واستولى على مدن وأقاليم هامة مثل « شماخي » عاصمة إقليم « شيروان » الواقع في ساحل بحر قزوين الغربي و « إيروان » و « قارص » و « تفليس » وإقليم « داغستان » وغيرها . وفي مطلع سنة 1148 هتمكن من عقد معاهدة بينه وبين روسيا تعهدت روسيا فيها بالجلاء عن « بادكوبا » و « دربند » . وجلت عنهما بالفعل ، وانتهى بذلك احتلال الروس لشمال إيران بعد أن دام ثلاث عشرة سنة . وفي الخامس عشر من جمادى الأولى سنة 1148 هكان نادر قد استخلص إقليم القفقاس من أيدي العثمانيين والروس وسيطر عليه كله . وأخمد ثورات في إيران وأفغانستان والخليج واحتل جزائر البحرين . وفي التاسع من جمادى الآخرة سنة 1149 هعاد إلى أصفهان ، فاستقبل بالزينات ومظاهر الفرح والإجلال . ثم أخذ يتهيأ لغزو « قندهار » حتى فتحها سنة 1151 هكما مر سابقا . غزو داغستان وفي هذه السنة ، سنة فتح « قندهار » ، كان أخوه « إبراهيم خان » في إقليم داغستان يغزو متمردين من « اللزكيين » فقتل في هذا الغزو . وقطع نادر على نفسه عهدا بان ينتقم له من « اللزكيين » . فأعد جيشا لذلك وخرج به من مشهد في 16 ذي الحجة سنة 1153 ه ، ومعه ابنه الأكبر « رضا قلي ميرزا » ، قاصدا وادي « جرجان » الواقع في نواحي « مازندران » . وفي هذا الوادي قاسى مشقات كبيرة في عبور نهر « جرجان » ، إذ طغى النهر بسيل عظيم ، فغرق فيه جماعة كبيرة من جنده ومئات من البغال التي تحمل الزاد والذخائر . وذهب الماء ببعض خيم الحرس الذين يحرسون خيمة نادر نفسها . فخشي أصحابه أن يصل الماء إلى خيمته ، ولكنه رفض أن ينقلها إلى