حسن الأمين
202
مستدركات أعيان الشيعة
محمود الغلجائي أبناء الشاه حسين حين احتلاله أصفهان . وبعد تحقيقات قام بها البلاط اعترف الشاه طهماسب بإخوته . ولكن حدث بعد مدة وجيزة أن تأمر جماعة من الوزراء والفقهاء ونساء الشاه على أن يخلعوا طهماسب ويولوا « إسماعيل ميرزا » هذا منصبه . إلا أن الشاه طهماسب عرف بالمؤامرة فقتل « إسماعيل ميرزا » وكل جماعة المؤامرة . وأما نادر ، وكان يومئذ في نواحي « هرات » مشغولا بقمع الثورة ، فقد غضب حين بلغ إليه نبا هزيمة الشاه طهماسب ، وبعث بواسطة السفير العثماني ، رسالة شديدة اللهجة إلى السلطان العثماني جاء فيها « إن معاهدة الشاه طهماسب ليست لها قيمة سياسية . فاما أن يعيد كل الأرض الإيرانية أو فليتهيأ للحرب » . وبعث برسالة إلى « أحمد باشا » والي بغداد العثماني بأنه قادم إلى بغداد في القريب العاجل . وبعث رسولا إلى أصفهان أبلغ عزمه إلى رجال البلاط . وبعث برسالة قاسية إلى وزراء الشاه وأنبهم تأنيبا شديدا على الطريقة التي نظروا بها إلى معاهدة الصلح . وأذاع بيانا عاما وجهه إلى رؤساء إيران وأشرافها وشعبها ، وكتب فيه أن سيفه قد سخر ، بعون الله المتعالي ، مدنا وإيالات كثيرة . فاحتلت قلعة هرات ، وانكسر الأبداليون ، ووضع غلجائيو قندهار في أعناقهم نير العبودية ، وسقنا ستين ألف عائلة منهم إلى خراسان . وندد بمعاهدة الصلح واعتبرها مهينة لشرف إيران وكرامتها مجحفة بحقوقها ، وأعلن رفضه لها . وقال إن الحرب ستبدأ بعد عيد الفطر وستنفذ مرحلة مرحلة . وأعلن في ختام البيان أن كل من تخلف عنه سيحرم من جميع الامتيازات الدينية وتقع عليه العقوبة الإلهية وينفى من جماعة المسلمين و [ بعد ] يعد من الخوارج . وكان نادر لا يزال في « هرات » . فلما انتهى من قمع الثورة وأقر الأمور هناك في يد أعوانه وأنصاره ، عاد إلى مشهد في الخامس عشر من شهر رمضان سنة 1144 ه . ثم بعث بوفد من قبله إلى أصفهان إلى الشاه طهماسب ، كان من جملة مهمته أن يلتمس من الشاه ملاقاته في قم أو طهران . وأمر من معه من رؤساء الأبداليين بتهيئة جيش منهم يكون مستعدا للإغارة في وقتها ، وأمرهم أن يطوفوا بهذا الجيش حول مقام الإمام الرضا ( ع ) للتبرك . ثم سار إلى طهران مع ستين ألف جندي ليلاقي الشاه طهماسب حسب طلبه السابق . ولكن الشاه رفض الخروج من أصفهان ، فسار نادر توا إليها . فلما وصلها أدى مراسم التشريفات اللازمة للشاه ثم دعاه إلى مسكنه إلى وليمة يقيمها على شرفه ، وهيا لها على أكمل وجه كل ما يقتضيه هذا المقام من آداب وسنن . ثم أخذ يتحدث إلى الضباط الحاضرين عن الشاه طهماسب وسال مستنكرا : لما ذا خان الشاه وطنه بتوقيعه على معاهدتي بغداد ورشت ، معاهدتي العار والذل ؟ ! وقال أيضا : في هذه المعاهدة لم يأتوا على ذكر أحد من الضباط الإيرانيين الذين وقعوا أسرى في يد العدو ! ومن العار أن نتخلى عن إخواننا هؤلاء ونتركهم في يد العدو ! فاثار هذا الخطاب غضب الضباط وحميتهم وتوجهوا كلهم باللوم والتقريع إلى الشاه . ثم حضر الشاه طهماسب وأذن للأعيان ورجال البلاط بالحضور ، وأمر باعداد الشراب وإحضار المطربين وتهيئة أسباب الأنس . فقام نادر بإنفاذ الأوامر ملتزما كل الالتزام آداب الضيافة ممتثلا بمنتهى التهذيب لكل ما يأمر به الشاه . وظل الشاه ثلاثة أيام متواصلة يلهو ويلعب ويعب الخمر مع رجال البلاط وأمثالهم من الفاسدين . وعرف الجميع ، من رؤساء الجيوش وضباطها أن الشاه طهماسب ظل يشرب الخمر حتى فقد عقله وحينئذ عقد نادر مجلسا من رؤساء الجيش و « قزلباش » بحثوا فيه حالة الشاه واتفقوا كلهم على أنه عاجز عن الاستمرار في الحكم . وشهدت أيضا جماعة كبيرة من أهل أصفهان بأنه غير أهل للملك ، واتفقوا كلهم على وجوب خلعه وإجلاس ابنه « عباس ميرزا » على عرش المملكة الإيرانية ، وكان ابنه هذا لا يزال طفلا رضيعا في الشهر الثامن من عمره . وأبلغوا قرارهم هذا إلى الشاه فاستعفى من منصبه . فأمر نادر بإرساله وجميع حرمه وخدمه إلى مشهد تحت مراقبة شديدة ، يرافقه خمسة آلاف جندي . وفي اليوم السابع من ربيع الأول سنة 1145 هتوج الشاه عباس الثالث الصفوي في قاعة من أحد القصور الملكية على هذا النحو : وضع مهد الأمير الطفل الرضيع في القاعة ، ووضع نادر على رأسه شارة الملك وإلى جانبه سيف الشاه ، ثم أديت له التشريفات المتبعة . وأقيمت في المدينة احتفالات الفرح والابتهاج سبعة أيام بلياليها وخلعت الخلع الفاخرة على الأمراء والأعيان . وكان من الطبيعي أن ينصب نائب عن صاحب العرش الجديد إلى أن يبلغ سن الرشد . ولم يكن أحد أليق من نادر بهذا المنصب . وبهذا استغنى نادر عن لقب « طهماسب قلي » الذي منحه إياه الشاه طهماسب سنة 1139 ه ، واتخذ لنفسه لقب « وكيل الدولة ونائب السلطنة » . وأبلغ نبا الانقلاب الجديد إلى الدولة العثمانية والدولة الروسية . وجعل إقامة الشاه الجديد في « دار السلطنة قزوين » . استئناف محاربة العثمانيين ثم سار نادر إلى قمع ثورة محلية فقضى عليها . وتوجه بعدها إلى استئناف محاربة العثمانيين . فسار إلى « كرمانشاه » ( 1 ) وحاصرها في التاسع من شهر جمادى الآخرة سنة 1145 ه ، فقاومه العثمانيون قليلا ثم اضطروا إلى الجلاء عنها فاحتلها . ومنها سار إلى « خانقين » وحدود العثمانيين في العراق . وسلك طريقا لم يكن العثمانيون يتوقعون أن يسلكها فلم يلتفتوا إلى تحصينها . وانحرف عن الطريق المألوفة التي أقام فيها العثمانيون تحصينات قوية ، وهاجمهم في مواقع أخرى غيرها ، فانتصر عليهم وقتل منهم كثيرين وأسر كثيرين ، منهم أحد الباشوات كان حاكما على إقليم هناك . وبعث بقوة إلى « كركوك » فحاصرتها . وتابع سيره إلى بغداد فحاصرها في الثاني من شهر رمضان سنة 1145 ه ، ووجه قوة احتلت سامراء والحلة وكربلاء والنجف ومدنا أخرى من العراق . ووافق حلول عيد النوروز اليوم الثالث من شهر رمضان من تلك السنة ، وبغداد في الحصار . فأقام نادر احتفالا في معسكره وخلع على رؤساء العسكر خلعا كثيرة . وأراد السخرية من « أحمد باشا » والي بغداد العثماني ، فبعث إليه ببضع قرب مملوءة بعصير البطيخ ، فرد عليه « أحمد باشا » بان أرسل إليه أرغفة من أحسن خبز بغداد . وكان يفصل عن جيشه في كل
--> ( 1 ) كرمانشاه ، وكرمانشاهان : اسم واحد .