حسن الأمين
201
مستدركات أعيان الشيعة
« رضا قلي ميرزا » ابن نادر شاه على طلب منصب الملك لنفسه . ثم انطلق إلى « دستجرد » مسقط رأسه ، وكان قد بنى فيها عمارة فخمة باسم « مولود خانه » تذكارا لولادته فيها ، ونصب في أعلاها سيفا من الذهب . ثم سار إلى « كلات » فأودع في خزائنها ما حمله من كنوز الهند وجواهرها ، وبنى فيها قبرا لنفسه من مرمر أسود حمله إليها من « مراغة » وكان مقدارا كبيرا ، وجمل قلعتها بحديقة أنيقة . ثم زار المدينة الجديدة « خيوه آباد » وتفقد سكانها من الأسرى السابقين بمقادير كبيرة من اللباس والطعام والنقود . ومن « كلات » ذهب إلى « أبيورد » ومنها إلى مشهد فوصلها في آخر شوال سنة 1153 ه . وكان يعد مشهد بمنزلة عاصمة لإمبراطوريته ويفضلها على أصفهان . وأهدى مقام الإمام الرضا ( ع ) هدايا عظيمة ، منها فرش كثير من الحرير وأربعة عشر قنديلا من الذهب الخالص ، وبنى في صحن المقام حوضا كبيرا من المرمر الأبيض النفيس جلبه من « هرات » ، وشرط على من حمله منها أن يكون المرمر جاهزا للبناء في مدة اثني عشر يوما . وكان ملوك إيران يفحصون ، حينا بعد حين ، حسابات الولايات . ولكن هذه الحسابات لم تكن تضبط يومئذ في دفاتر مخصوصة ، بل كان الموظفون يجبون الضرائب على هواهم ويحتفظون بقسم منها لأنفسهم ويوصلون الباقي إلى خزانة الدولة . وهكذا كان الأمر في زمان نادر . فقام بمحاسبة موظفي الجباية محاسبة دقيقة . فتبين له أنهم تلاعبوا فيها ، فغضب وقتل جماعة من المسؤولين عن هذا التلاعب . حرب نادر والعثمانيين بدأ نادر بمحاربة العثمانيين سنة 1142 ه . فبعد أن طرد الأفاغنة من شيراز في تلك السنة عزم على إخراج العثمانيين أيضا من أرض إيران ، إذ أن مفاوضتهم لم تأت بنتيجة وظلوا يحتلون بعض المدن الإيرانية لا يجلون عنها . فجند جيشا من خمسة وعشرين ألفا ، بين فارس وراجل ، ومدفعية ، وسار به من شيراز نحو « همذان » في 18 شعبان سنة 1142 ه . فأغار أولا على « نهاوند » تبييتا في 4 رمضان من تلك السنة وأباد حاميتها من العثمانيين وفر قائدهم « عثمان باشا » إلى « همذان » . ثم تتبع العثمانيين فهزمهم عند « ملاير » ، وكانت عدتهم تسعة وأربعين ألفا ، قتل منهم حوالي سبعة آلاف ، وفر الباقون إلى « همذان » . فتتبعهم إليها واحتلها بلا مقاومة ، إذ كان قائدهم « عثمان باشا » كان قد فر بجنده إلى بغداد ، وترك ذخائره وعتاده الحربي غنيمة للجيش الإيراني . وتتبعهم نادر إلى « كرمانشاهان » فاحتلها . وعزم أن يسير منها إلى إيالة « أذربيجان » لطرد العثمانيين منها . وفي أثناء ذلك وصل خبر حملة نادر على العثمانيين إلى القسطنطينية فأعلنت الدولة العثمانية الحرب على الدولة الإيرانية رسميا ، وكان ذلك في السابع من المحرم سنة 1143 ه . وسار نادر إلى محل تمركز العثمانيين في « ميان دو آب » في الجنوب الشرقي من بحيرة « أرومية » . وكانت عدة جيشه قد أصبحت مائة ألف مقاتل . فرأى العثمانيون أن لا قبل لهم به ففروا إلى « مراغة » من غير أن يطلقوا رصاصة واحدة . فتتبعهم نادر واحتل « مراغة » ومدنا أخرى في تلك النواحي ، وغنم كثيرا من المعدات وأسر كثيرا من الجند وفر العثمانيون إلى ناحية قريبة من تبريز ، فتتبعهم حتى احتل تبريز في 28 المحرم سنة 1143 ه . وكان جيش عثماني آخر بامرة قائد اسمه « رستم باشا » قادما لنجدة العثمانيين في تبريز ، وهو لا يعلم بخروجهم منها واحتلال نادر لها . فخرج إليه الجيش الإيراني وأوقع به هزيمة شديدة وأسر قائده وجماعة كبيرة من ضباطه . ثم بعث نادر بسفير من قبله إلى القسطنطينية يقترح على السلطان العثماني عقد معاهدة هدنة بين الدولتين . وعامل نادر أسيره « رستم باشا » وضباطه الأسرى بالحسنى ثم أطلق سراحهم . وخف مسرعا إلى خراسان . وأوقعت انتصارات نادر تشويشا في العاصمة العثمانية ، إذ أخذ البلاطيون وأصحاب النفوذ يتهم بعضهم بعضا بالتقصير وسوء التدبير في سوق الجيش إلى إيران . وقتل الصدر الأعظم وخلع السلطان أحمد وبويع السلطان محمود ، وقامت ثورة في ألبانيا فشغل ذلك الدولة العثمانية عن متابعة محاربتها لإيران . كما أن نادرا عدل عن متابعة الحرب ، بعد أن كان ينوي تعقب العثمانيين إلى « نخجوان » و « إيروان » ، وذلك لأخبار وصلته من مشهد بان حربا أهلية بين الأبداليين قد نشبت في « هرات » ، وأن الموالين له منهم قد أخرجوا منها . وأن الثائرين على وشك الهجوم على مشهد . ولذلك أسرع عائدا إلى خراسان . خلع الشاه طهماسب أسرع نادر إلى خراسان ليقمع ثورة الأبداليين على حين كان الشاه طهماسب يلهو في أصفهان . ثم تمادى فقام بعمل جنوني إذ عزل نادرا عن قيادة الجيش وجعل قيادته في يده . وقرر أن يقتصر عمل نادر على إدارة أمور خراسان فقط ، ولا حاجة إليه في استرجاع النواحي الإيرانية التي استولى عليها العثمانيون والروس . ثم جهز جيشا من ثمانية عشر ألفا ، وبدأ محاربة العثمانيين في جمادى الآخرة سنة 1144 هليخرجهم من أرض إيران الشمالية الشرقية . وخرج من أصفهان قاصدا « همذان » . ومنها بعث رسولا إلى القسطنطينية لتهنئة السلطان محمود ، السلطان الجديد ، بجلوسه على [ لعرش ] العرش ، وبعث بمندوب آخر إلى أحد اللزكيين من أعوان الدولة العثمانية في حدودها الجنوبية ، ولكن اللزكي ضرب عنق المندوب الإيراني وبعث برأسه إلى القسطنطينية ، إذ كان عارفا بنوايا طهماسب . وذهب طهماسب إلى تبريز فعزل حاكمها الذي عينه نادر ونصب في مكانه أحد خواصه . ثم قصد بجيشه إلى « نخجوان » و « إيروان » فحاصرهما . ولكنه اضطر إلى التراجع إذ نفدت مئونته . ثم انتهت محاولاته كلها إلى الهزيمة ، واسترد العثمانيون النواحي التي كان نادر قد استخلصها منهم وتابعوا تقدمهم في أرض إيران ، وعاد الشاه طهماسب إلى أصفهان منهزما . وقد قتل من جيشه خمسة آلاف جندي ، واضطر إلى عقد معاهدة صلح بينه وبين العثمانيين تقضي بان تكون كل الأراضي الواقعة في شمالي نهر « أرس » إلى « كرمانشاهان » ملكا للعثمانيين . وعقد معاهدة أخرى في مدينة « رشت » بينه وبين روسيا تقضي بان تتخلى إيران عن ولاية « باكو » وداغستان للروس . وفي هذه الأثناء وصل إلى أصفهان رجل قال إن اسمه « إسماعيل ميرزا » وأن أخو الشاه طهماسب وأن أحد خدم القصر نجاه من القتل يوم قتل