حسن الأمين
189
مستدركات أعيان الشيعة
فلما كان الغد من قتله دعاهم بحير بن عبد الله المسكي ومن معه بالقصر إلى ما دعاهم المختار فأبوا عليه وأمكنوا أصحاب مصعب من أنفسهم ونزلوا على حكمه ، فاخرجوهم مكتفين ، فأراد إطلاق العرب وقتل الموالي ، فأبى أصحابه عليه ، فعرضوا عليه فأمر بقتلهم ، وعرض عليه بحير المسكي ، فقال لمصعب : الحمد لله الذي ابتلانا بالأسر وابتلاك بان تعفو عنا ، هما منزلتان : إحداهما رضاء الله ، والأخرى سخطه ، من عفا عفا الله عنه وزاد عزا ، ومن عاقب لم يأمن القصاص ، يا ابن الزبير نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم ولسنا تركا ولا ديلما ، فان خالفنا إخواننا من أهل مصرنا . فاما أن نكون أصبنا وأخطئوا ، وإما أن نكون أخطانا وأصابوا ، فاقتتلنا بيننا كما اقتتل أهل الشام بينهم ثم اجتمعوا ، وكما اقتتل أهل البصرة واصطلحوا واجتمعوا ، وقد ملكتم فاسجحوا ، وقد قدرتم فاعفوا . فما زال بهذا القول حتى رق لهم الناس ومصعب وأراد أن يخلي سبيلهم . فقام عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال : أتخلي سبيلهم ؟ اخترنا أو اخترهم . وقام محمد بن عبد الرحمن بن سعيد الهمداني فقال مثله ، وقام أشراف الكوفة فقالوا مثلهما ، فأمر بقتلهم ، فقالوا له : يا ابن الزبير ، لا تقتلنا واجعلنا على مقدمتك إلى أهل الشام غدا ، فما بكم عنا غنى ، فان قتلنا لم نقتل حتى نضعفهم لكم ، وإن ظفرنا بهم كان ذلك لكم . فأبى عليهم . فقال بحير المسكي : لا تخلط دمي بدمائهم إذ عصوني . فقتلهم . وقال مسافر بن سعيد بن نمران الناعطي : ما تقول يا ابن الزبير لربك غدا وقد قتلت أمة من المسلمين حكموك في أنفسهم صبرا ؟ اقتلوا منا بعدة من قتلنا منكم ، ففينا رجال لم يشهدوا موطنا من حربنا يوما واحدا ، كانوا في السواد وجباية الخراج وحفظ الطرق . فلم يسمع منه وأمر بقتله . ولما أراد قتلهم استشار مصعب الأحنف بن قيس ، فقال : أرى أن تعفو ، فان العفو أقرب للتقوى . فقال أشراف أهل الكوفة : اقتلهم ، وضجوا ، فقتلهم ، فلما قتلوا قال الأحنف : ما أدركتم بقتلهم ثارا ، فليته لا يكون في الآخرة وبالا . وبعثت عائشة بنت طلحة امرأة مصعب إليه في إطلاقهم ، فوجدهم الرسول قد قتلوا . ثم إن مصعبا دعا أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار وعمرة بنت النعمان بن بشير الأنصارية امرأته الأخرى فأحضرهما وسألهما عن المختار . فقالت أم ثابت : نقول فيه بقولك أنت ، فأطلقها ، وقالت عمرة : رحمه الله ، كان عبدا لله صالحا ، فحبسها ، وكتب إلى أخيه عبد الله بن الزبير : إنها تزعم أنه نبي ، فأمره بقتلها ، فقتلت ليلا بين الكوفة والحيرة ، قتلها بعض الشرط ضربها ثلاث ضربات بالسيف وهي تقول : يا أبتاه ! يا عترتاه ! فرفع رجل يده فلطم القاتل وقال : يا ابن الزانية عذبتها ! ثم تشحطت فماتت . فتعلق الشرطي بالرجل وحمله إلى مصعب ، فقال : خلوه فقد رأى أمرا فظيعا . ولما قتل المختار كان عمره سبعا وستين سنة ، وكان قتله لأربع عشرة خلت من رمضان سنة سبع وستين . قيل : إن مصعبا لقي ابن عمر فسلم عليه وقال له : أنا ابن أخيك مصعب . فقال له ابن عمر : أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة غير ما بدا لك . فقال مصعب : إنهم كانوا كفرة فجرة . فقال : والله لو قتلت عدتهم غنما من تراث أبيك لكان ذلك سرفا . وقال ابن الزبير لعبد الله بن عباس : ألم يبلغك قتل الكذاب ؟ قال : ومن الكذاب ؟ قال : ابن أبي عبيد . قال : قد بلغني قتل المختار . قال : كأنك أنكرت تسميته كذابا ومتوجع له . قال : ذاك رجل قتل قتلتنا وطلب ثارنا وشفى غليل صدورنا وليس جزاؤه منا الشتم والشماتة ( 1 ) نادر شاه الافشاري . بعد انقضاء عهد الشاه عباس الصفوي الكبير ساءت سياسة خلفائه وأهملوا تدبير أمور مملكتهم وإدارتها ، وساروا سيرة المستبدين المستكبرين ، وبلغ الفساد والانحلال الروحي في بلاط الملك إلى حيث أصبح سقوط الصفويين أمرا متوقعا مسلما به . أخذ المتمردون من كل ناحية يقومون بحركات انفصالية . وبلغ الجهل وفساد التربية بالناس إلى طريق الانحطاط والفناء . ونسيت الفنون الحربية والتنظيم العسكري وأهمل الجيش ، حتى كانت سنة 1106 ه ( 1694 م ) ، وهي السنة التي اعتلى فيها الشاه سلطان حسين ابن الشاه سليمان الصفوي عرش المملكة ، سنة إعلان اضمحلال السلالة الصفوية . فقد عمت الفتن أنحاء الدولة وعدم الناس الأمان والراحة ، إذ كان هذا الشاه عاجزا غير كفء للحكم . وفي عهده استولى الروس على كثير من إيالات الشمال والشمال الغربي من إيران . قال « الشوفالية جان شاردان » السائح الفيلسوف الفرنسي في مذكراته يصف أوضاع إيران في تلك الحقبة : « لن يتقدم الإيرانيون خطوة عن مكانهم ، لأنهم يرون أن الحياة الناعمة هي قبل كل شيء . لقد خسروا خصالهم الحربية وغرقوا في اللذائذ والشهوات ، لا يرون لهم فائدة في التحركات العظيمة واقتحام المصاعب وتجشم المشقات إلى غاية عليا . من أجل ذلك ما إن انقضت مدة قليلة وحلت سنة 1111 هحتى كانت قبائل » البلوش « في » كرمان « وطوائف » الغلجائيين « الأفاغنة في » قندهار « والملك محمود السيستاني في خراسان والعثمانيون في شمال إيران وشمالها الغربي والتركمان في » جرجان « وشمالي خراسان والروس في » جيلان « يثيرون الفتن ويخلون بالأمن ويحكمون حكما مستقلا كل الاستقلال » . وفي تلك الحقبة بعث الإمبراطور الروسي « بطرس الأكبر » بعثة جاسوسية برئاسة « أرتمي فولينسكي » إلى إيران بصورة تجار . ثم رفعت هذه البعثة إلى الإمبراطور تقريرا جاء فيه أن إيران أصبحت على شفا منحدر السقوط والاضمحلال . وأخذوا الروس يثيرون عليها القبائل الكرجية والداغستانية واللزكية . كانت قبيلة « الغلجائيين » تسكن في « قندهار » ونواحيها وقبيلة
--> ( 1 ) ابن الأثير .