حسن الأمين
190
مستدركات أعيان الشيعة
« الأبداليين » تسكن في « هرات » ونواحيها . والمدينتان تابعتان يومئذ لإيران . والقبيلتان من أصل إيراني . وبينهما خصومات وحروب . ولكن كانتا كلتاهما تشغبان على الحكومة المركزية وتثوران عليها . وكان « أورنك زيب » أمبراطور الهند المغولي يساعدهما ويساندهما على إيران . وفي تلك السنة بعث الشاه حسين الصفوي حاكما حازما إلى « قندهار » . وهو من أصل كرجي اسمه « جرجين خان » . يقول المؤرخ الانكليزي العقيد « السير جان مالكم » سفير انكلترا في بلاط « فتح على شاه » القاجاري : « كان هذا الحاكم من أشجع رؤساء إيران وأحسنهم تدبيرا » . وقد استطاع أن يضبط الأمور فيها ، واعتقل رأس الفتنة « مير ويس » أحد رؤساء « الغلجائيين » وبعث به إلى أصفهان العاصمة فسجنه الشاه الصفوي ( 1 ) ولكنه استطاع أن يخدع الشاه الأبله فاطلقه ، وأذن له بالسفر إلى مكة . وهناك حصل من علمائها على فتاوى ورسائل بان السنيين يجوز لهم عند الضرورة أن يشهروا السيف على الشيعة دفاعا عن أنفسهم . ثم عاد إلى أصفهان . واستطاع أن يحمل الشاه على الاذن له بالعودة إلى « قندهار » . وهناك دبر مكيدة قتل فيها حاكمها « جرجين خان » ، ثم أطلع أهالي « قندهار » على فتوى علماء مكة فاثارهم وهجم في سنة 1112 هعلى مقر الحامية الإيرانية والكرجية فقتل فريقا منهم وطرد الباقين من « قندهار » ونصب نفسه حاكما عليها . وقام « الأبداليون » بعمل مشابه في « هرات » وتسلطوا عليها . وكان أمبراطور الهند يساعد القبيلتين ويساندهما في هذه الثورة ، إذ كان يطمع في ضم « قندهار » وغيرها إلى أملاكه . وفي سنة 1131 هاحتل إمام مسقط جزائر البحرين . وتسلطت طوائف « البلوش » على إيالتي « كرمان » و « لار » وهاجموا « بندر عباس » وخربوها . وعمت الفتن « كردستان » و « لرستان » . وفي سنة 1134 هثار إقليم « شيروان » ( شمال إيران الغربي ) ، وساعدت الدولة العثمانية هذه الثورة . وتهيأت روسيا لتحقيق مطامع قديمة لها في جنوب بلادها . وفي 12 من المحرم سنة 1135 هكان محمود الأفغاني رئيس قبيلة « غلجائي » يحاصر أصفهان عاصمة المملكة الإيرانية ويضطر الشاه حسين الصفوي الضعيف العاجز إلى التسليم وأن ينزع التاج عن رأسه ويضعه بيده على رأس الغازي الأفغاني . ثم حبسه هذا في داخل القصر وظل مسجونا فيه سبع سنوات ، ثم قتله الأفاغنة بعدها . وروى « السير جان مالكم » أن محمودا الغلجائي هذا ارتكب بعد احتلاله أصفهان ، وجلوسه على عرش الصفويين فظائع رهيبة في أصفهان وغيرها ، من قتل ونهب وتخريب . من ذلك قتله مائة وأربعة عشر رجلا من رؤساء القزلباش . وقتل بيده هو وواحد أو اثنين من خواصه أبناء الشاه ، وهم واحد وثلاثون أميرا في إحدى ساحات القصر الملكي ، وغير هؤلاء كثير ، بلا ذنب منهم يحمله على ذلك . بل إنه قبض على مائتي طفل صغير وقتلهم خارج المدينة . ونجا من هذه المذبحة « طهماسب ميرزا » ولي العهد إذ كان في « قزوين » . فلما بلغه خبر خلع أبيه أعلن تولية منصبه في 14 صفر سنة 1135 ه . وكان محمود الأفغاني في أثناء ذلك يواصل احتلال المدن الإيرانية ويطارد الشاه الجديد . وفي سنة 1136 هاستولت روسيا على مدن القفقاس و « داغستان » و « طوالش » و « قراجه داغ » و « أردبيل » و « دربند » و « أنزلي » ( بندر بهلوي ) و « كرجستان » و « تفليس » و « باكو » والايالات الساحلية على بحر قزوين ، وهي « جيلان » و « تنكابن » و « مازندران » . واحتل العثمانيون « إيروان » والقسم الغربي من القفقاس و « تبريز » و « أرومية » و « كردستان » و « كرمانشاهان » و « لورستان » و « خوزستان » إلى شاطئ الخليج الفارسي . وفي سنة 1138 هعقدت الدولة العثمانية والدولة الروسية معاهدة بينهما بان تكون ناحية التركمان وسواحل غربي « مازندران » على بحر الخزر إلى ملتقى نهر « كر » ونهر « أرس » للدولة الروسية . وتكون « كرجستان » و « كنجه » و « أذربيجان » و « كردستان » و « كرمانشاهان » والعراق و « خوزستان » للدولة العثمانية . وفي أوائل سنة 1142 ه ، في أيام حكم الشاه « طهماسب » الثاني ابن الشاه حسين ، كان العثمانيون قد استولوا على كل « كرجستان » و « أرمينيا » و « أذربيجان » وقسم من إيالة « داغستان » وقسم من إيالة « شيروان » ( القسم الآخر من هاتين الايالتين استولى عليه الروس ) وأكثر عراق العجم وكل كردستان و « همذان » و « كرمانشاهان » . وفي سنة 1144 ه . عقد الشاه « طهماسب » معاهدة بينه وبين العثمانيون تقضي بان تكون « كنجه » ( جنوب داغستان ) و « تفليس » و « إيروان » و « نخجوان » ( أذربيجان ) والقسم الأكبر من إقليم « داغستان » وإقليم « شيروان » ( جنوبي داغستان غربي بحر الخزر ) للعثمانيين . وفي سنة 1145 ه . عقد الشاه « طهماسب » معاهدة بينه وبين روسيا تقضي بان تجلو روسيا عن كل الايالات التي تستولي عليها ما عدا النواحي الواقعة في شمالي نهر « كر » . وإلى كل هذا كانت دسائس البلاطيين والحكام لا تنفك تحيط بالشاه حسين ثم بخليفته الشاه « طهماسب » وتتلاعب به من كل جانب ويذهب ضحيتها المخلصون والناصحون ويطلق العنان للخونة والفاسدين . وإلى ذلك كان قطاع الطرق والسلابون يعيشون بالأرض فسادا على هواهم ، وغارات الأزابكة والتتر وغيرهم تتوالى على إيران . مولد نادر شاه وأصله ونشأته وفي 28 من المحرم سنة 1100 هالموافق 22 نوفمبر سنة 1688 م ، أي في أيام تلك الفتن ، ولد نادر شاه في قرية « دستجرد » الواقعة في الشمال الشرقي من إيران في سهول « درجز » الخصبة ، مشتى قبيلة « قرقلو » ، قبيلة نادر شاه . قال اللورد « جورج غورزن » : « هذا الإقليم كان لا ينفك تستغرقه
--> ( 1 ) على أن بعض المؤرخين الإيرانيين يرى في جرجين خان حاكما ظالما ، وان الشاه أخطا بإرسال حاكم غير مسلم إلى منطقة إسلامية متشددة ( ح ) .