حسن الأمين

188

مستدركات أعيان الشيعة

وإلى أن نجعل هذا الأمر شورى في آل الرسول . فرجع عباد فأخبر مصعبا ، فقال له : ارجع فاحمل عليهم . فرجع وحمل على ابن شميط وأصحابه ، فلم ينزل منهم أحد ، ثم انصرف إلى موقفه ، وحمل المهلب على ابن كامل ، فجال بعضهم في بعض ، فنزل ابن كامل فانصرف عنه المهلب ، ثم قال المهلب لأصحابه : كروا عليهم كرة صادقة ، فحملوا عليهم حملة منكرة ، فولوا ، وصبر ابن كامل في رجال من همدان ساعة ثم انهزم ، وحمل عمر بن عبيد الله على عبد الله بن أنس ، فصبر ساعة ثم انصرف ، وحمل الناس جميعا على ابن شميط ، فقاتل حتى قتل ، وتنادوا : يا معشر بجيلة وخثعم الصبر ! فناداهم المهلب : الفرار اليوم أنجى لكم ، علا م تقتلون أنفسكم مع هذه العبيد ؟ ثم قال : والله ما أرى كثرة القتل اليوم إلا في قومي . ومالت الخيل على رجالة ابن شميط فانهزمت ، وبعث مصعب عبادا على الخيل ، فقال : أيما أسير أخذته فاضرب عنقه . وسرح محمد بن الأشعث في خيل عظيمة من أهل الكوفة فقال : دونكم ثاركم . فكانوا أشد على المنهزمين من أهل البصرة لا يدركون منهزما إلا قتلوه ، ولا يأخذون أسيرا فيعفون عنه ، فلم ينج من ذلك الجيش إلا طائفة أصحاب الخيل ، وأما الرجالة فابيدوا إلا قليلا . قال معاوية بن قرة المزني : انتهيت إلى رجل منهم فأدخلت السنان في عينه فأخذت أخضخض عينه به . فقيل له : أفعلت هذا ؟ فقال : نعم ، إنهم كانوا عندنا أحل دماء من الترك والديلم . وكان معاوية هذا قاضي البصرة . فلما فرغ مصعب منهم أقبل حتى قطع من تلقاء واسط ، ولم تكن بنيت بعد ، فاخذ في كسكر ، ثم حمل الرجال وأثقالهم والضعفاء في السفن فأخذوا في نهر خرشاد ثم خرجوا إلى نهر قوسان ثم خرجوا إلى الفرات . وأتى المختار خبر الهزيمة ومن قتل بها من فرسان أصحابه ، فقال : ما من الموت بد ، وما من ميتة أحب إلي من أن أموت ميتة ابن شميط . فعلموا أنه إن لم يبلغ ما يريد يقاتل حتى يقتل . ولما بلغه أن مصعبا قد أقبل إليه في البر والبحر سار حتى وصل السيلحين ونظر إلى مجتمع الأنهار : نهر الحيرة ونهر السيلحين ونهر القادسية ونهر يوسف ، فسكر الفرات فذهب ماؤها في هذه الأنهار وبقيت سفن أهل البصرة في الطين ، فلما رأوا ذلك خرجوا من السفن إلى ذلك السكر فأصلحوه وقصدوا الكوفة ، وسار المختار إليهم فنزل حروراء وحال بينهم وبين الكوفة ، وكان قد حصن القصر والمسجد وأدخل إليه عدة الحصار . وأقبل مصعب وقد جعل على ميمنته المهلب ، وعلى ميسرته عمر بن عبيد الله ، وعلى الخيل عباد بن الحصين ، وجعل المختار على ميمنته سليم بن يزيد الكندي ، وعلى ميسرته سعيد بن منقذ الهمداني ، وعلى الخيل عمرو بن عبد الله النهدي ، وعلى الرجالة مالك بن عبد الله النهدي . وأقبل محمد بن الأشعث فيمن هرب من أهل الكوفة فنزل بين مصعب والمختار . فلما رأى ذلك المختار بعث إلى كل جيش من أهل البصرة رجلا من أصحابه ، وتدانى الناس ، فحمل سعيد بن منقذ على بكر وعبد القيس وهم في ميمنة مصعب فاقتتلوا قتالا شديدا ، فأرسل مصعب إلى المهلب ليحمل على من بإزائه ، فقال : ما كنت لأجزر الأزد خشية أهل الكوفة حتى أرى فرصتي . وبعث المختار إلى عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي ، فحمل على من بإزائه ، وهم أهل العالية ، فكشفهم ، فانتهوا إلى مصعب ، فجثا مصعب على ركبتيه وبرك الناس عنده فقاتلوا ساعة وتحاجزوا . ثم إن المهلب حمل في أصحابه على من بإزائه فحطموا أصحاب المختار حطمة منكرة فكشفوهم . وقال عبد الله بن عمرو النهدي ، وكان ممن شهد صفين : اللهم إني على ما كنت عليه بصفين ، اللهم أبرأ إليك من فعل هؤلاء ، لأصحابه ( حين انهزموا ) ، وأبرأ إليك من أنفس هؤلاء ، يعني أصحاب مصعب ، ثم جالد بسيفه حين قتل . وانقصف أصحاب المختار كأنهم أجمة قصب فيها نار ، وحمل مالك بن عمرو النهدي ، وهو على الرجالة ، ومعه نحو خمسين رجلا ، وذلك عند المساء ، على أصحاب ابن الأشعث حملة منكرة ، فقتل ابن الأشعث وقتل عامة أصحابه . وقاتل المختار على فم سكة شبث عامة ليلته وقاتل معه رجال من أهل البأس وقاتلت معه همدان أشد قتال وتفرق الناس عن المختار ، فقال له من معه : أيها الأمير اذهب إلى القصر ، فجاء حتى دخله . فلما أصبح مصعب أقبل يسير فيمن معه نحو السبخة ، ثم نزل السبخة فقطع عنهم الماء والمادة وقاتلهم المختار وأصحابه قتالا ضعيفا ، واجترأ الناس عليهم فكانوا إذا خرجوا رماهم الناس من فوق البيوت وصبوا عليهم الماء القذر ، وكان أكثر معاشهم من النساء ، تأتي المرأة متخفية ومعها القليل من الطعام والشراب إلى أهلها . ففطن مصعب بالنساء فمنعهن ، فاشتد على المختار وأصحابه العطش ، وكانوا يشربون ماء البئر يعملون فيه العسل فكان ذلك ما يروي بعضهم . ثم إن مصعبا أمر أصحابه فاقتربوا من القصر واشتد الحصار عليهم ، فقال لهم المختار : ويحكم إن الحصار لا يزيدكم إلا ضعفا فانزلوا بنا فنقاتل حتى نقتل كراما إن نحن قتلنا ، فوالله ما أنا بآيس إن صدقتموهم أن ينصركم الله . فضعفوا ولم يفعلوا . فقال لهم : أما أنا فوالله لا أعطي بيدي ولا أحكمهم في نفسي ، وإذا خرجت فقتلت لم تزدادوا إلا ضعفا وذلا ، فان نزلتم على حكمهم وثبت أعداؤكم فقتلوكم وبعضكم ينظر إلى بعض فتقولون : يا ليتنا أطعنا المختار ، ولو أنكم خرجتم معي كنتم إن أخطاتم الظفر متم كراما . فلما رأى عبد الله بن جعدة بن هبيرة ما عزم عليه المختار تدلى من القصر فلحق بناس من إخوانه فاختفى عندهم سرا . ثم إن المختار تطيب وتحنط وخرج من القصر في تسعة عشر رجلا ، منهم السائب بن مالك الأشعري . فلما خرج المختار قال السائب : ما ذا ترى ؟ قال : ما ترى أنت ، قال : ويحك يا أحمق إنما أنا رجل من العرب رأيت ابن الزبير قد وثب بالحجاز ، ورأيت ابن نجدة وثب باليمامة ، ومروان بالشام ، وكنت فيها كأحدهم ، إلا أني قد طلبت بثار أهل البيت إذ نامت عنه العرب ، فقاتل على حسبك إن لم يكن لك نية . فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ما كنت أصنع أن أقاتل على حسبي . ثم تقدم المختار فقاتل حتى قتل .