حسن الأمين
181
مستدركات أعيان الشيعة
ألقاه فذهب إليه فلم يدع شيئا أنكروه إلا ذكره له والمختار يقول أنا أرضيهم وأفعل كلما أحبوا ولم يكن أصعب عليهم من مشاركة الموالي أي العبيد المعتقين لهم في الفيء فقال المختار إن أنا تركت مواليكم وجعلت فياكم لكم تقاتلون معي بني أمية وابن الزبير وتعطوني العهد على ذلك فقال شبث حتى أرجع إلى أصحابي فأخبرهم فخرج ولم يرجع إلى المختار فاجمع رأيهم على قتاله وكان بقي مع المختار أربعة آلاف ، فقال عبد الرحمن الأسدي لأهل الكوفة لا تخرجوا على المختار فاني أخاف أن تختلفوا وتتفرقوا ومع الرجل شجعانكم ومواليكم وكلمتهم واحدة فانتظروا قليلا يكفكم ذلك أهل الشام وأهل البصرة فلم يقبلوا وخرجوا على المختار بعد مسير إبراهيم بالجبانات كل رئيس بجبانة وجاهروا بالعصيان ولم يبق أحد ممن شرك في قتل الحسين ع وكان مختفيا إلا ظهر فلما بلغ ذلك المختار أرسل رسولا مجدا إلى إبراهيم فلحقه وهو بساباط المدائن قريب بغداد وكتب إليه المختار أن لا تضع كتابي من يدك حتى تقبل إلي بجميع من معك وبعث إليهم المختار أن أخبروني ما تريدون فاني أصنع كلما أحببتم قالوا نريد أن تعتز لنا فإنك زعمت أن محمد بن الحنفية بعثك ولم يبعثك قال فأرسلوا إليه وفدا من قبلكم وأرسل إليه أنا وفدا وهو يريد أن يطاولهم حتى يقدم عليه إبراهيم وأمر أصحابه أن يكفوا أيديهم وقد أخذ عليهم أهل الكوفة بأفواه السكك فليس يصل إليهم من الماء إلا القليل ، ولما سار رسول المختار وصل إلى ابن الأشتر في عشية ذلك اليوم فرجع ابن الأشتر بقية عشيته تلك ثم نزل عند المساء فتعشى أصحابه وأراحوا دوابهم قليلا ثم سار ليلته كلها واليوم الثاني حتى وصل إلى الكوفة عند العصر وبات في المسجد ومعه من أصحابه أهل القوة والجلد ، ثم إن المختار عبا أصحابه وأرسل ابن الأشتر إلى مضر وخشي أن يرسله إلى أهل اليمن فلا يبالغ في قتالهم لأنهم قومه وسار المختار إلى أهل اليمن وقدم بين يديه أحمر بن شميط وعبد الله بن كامل وأمر كلا بلزوم طريق مخصوص وأسر إليهما أن شباما قد أرسلوا إليه يخبرونه أنهم يأتون القوم من ورائهم فمضيا إلى أهل اليمن واقتتلوا أشد قتال رآه الناس ثم انهزم أصحاب أحمر وأصحاب ابن كامل ووصلوا إلى المختار فردهم وأقبل بهم نحو القوم ثم أرسل عبد الله بن قراد الخثعمي في أربعمائة إلى ابن كامل وقال له إن كان قد هلك فأنت مكانه فقاتل القوم وإن كان حيا فاترك عنده ثلاثمائة وامض في مائة حتى تأتي جبانة السبيع فمضى فوجد ابن كامل يقاتلهم في جماعة قد صبروا معه فترك عنده ثلاثمائة وسار في مائة وبعث المختار مالك بن عمرو النهدي وكان شجاعا وعبد الله بن شريك النهدي في أربعمائة إلى أحمر بن شميط فوصلوا إليه وقد غلبه القوم فاشتد قتالهم عند ذلك ( وأما ابن الأشتر ) فإنه مضى إلى مضر فلقي شبث بن ربعي ومن معه فقال لهم ويحكم انصرفوا فما أحب أن يصاب من مضر على يدي أحد فلا تهلكوا أنفسكم فأبوا فقاتلهم إبراهيم فهزمهم وأرسل إلى المختار يبشره بذلك فأرسل المختار إلى أحمر بن شميط وابن كامل يبشرهما فاشتد أمرهما ، واجتمعت شبام لياتوا اليمن من ورائهم كما أرسلوا إلى المختار ورأسوا عليهم أبا القلوص فقال بعضهم لو جعلتم جدكم على مضر أو ربيعة لكان أصوب فقال أبو القلوص قال الله تعالى * ( قاتلوا الذين بلونكم من الكفار ) * فسار نحو أهل اليمن فلقيهم الأعسر الشاكري فقتلوه ونادوا يا لثارات الحسين فأجابهم أصحاب ابن شميط يا لثارات الحسين فنادى يزيد بن عمر يا لثارات عثمان فقال لهم رفاعة بن شداد البجلي وكان معهم على المختار لا أقاتل مع قوم يبغون دم عثمان ثم رجع عنهم فقاتل مع المختار وهو يقول : أنا ابن شداد على دين علي لست لعثمان بن أروى بولي لأصلين اليوم فيمن يصطلي بحر نار الحرب غير مؤتلي فقاتل حتى قتل . وانهزم أهل اليمن هزيمة قبيحة واستخرج من دور الوداعيين خمسمائة أسير فاني بهم المختار مكتفين فقال أعرضوهم علي وانظروا كل من شهد قتل الحسين ع فاعلموني به فقتل كل من شهد قتل الحسين ع وقتل منهم مائتين وثمانية وأربعين رجلا في مجلس واحد وأطلق الباقي ( ونادى ) منادي المختار من أغلق بابه فهو آمن إلا رجلا شرك في دم آل محمد . هدم دور من شرك في قتل الحسين ( ع ) وأمر المختار صاحب شرطته أبا عمرة أن يجمع ألف رجل من الفعلة بالمعاول ويتبع دور من خرج إلى قتال الحسين ع فيهدمها وكان أبو عمرة بذلك عارفا فجعل يدور بالكوفة على دورهم فيهدهم الدار في لحظة فمن خرج إليه منها قتله حتى هدم دورا كثيرة وقتل المختار أناسا كثيرين من قتلة الحسين ع وجعل يطلب ويستقصي فمن ظفر به منهم قتله وجعل ماله وعطاءه لرجل من أبناء العجم الذين كانوا معه ( وتجرد ) لقتلة الحسين ع وقال ما من ديننا أن نترك قتلة الحسين ع أحياء بئس ناصر آل محمد ( ص ) أنا ، أنا إذا الكذاب كما سموني وأني أستعين بالله عليهم فسموهم لي ثم اتبعوهم حتى تقتلوهم فإنه لا يسوغ لي الطعام والشراب حتى أطهر الأرض منهم . قتل الذين رضوا جسد الحسين ع فأول من بدء به المختار الذين رضوا جسد الحسين ع بخيولهم فاخذهم وطرحهم على ظهورهم وضرب سكك الحديد في أيديهم وأرجلهم وأجرى الخيل عليهم حتى قطعتهم ثم أحرقهم بالنار . قتل عمرو بن الحجاج الذي كان موكلا بالمشرعة وكان عمرو بن الحجاج الزبيدي ممن شهد قتل الحسين ع فركب راحلته وأخذ طريق واقصة فلم يعلم له خبر حتى الساعة وقيل أدركه أصحاب المختار وقد سقط من شدة العطش فذبحوه وأخذوا رأسه وقيل أنه هرب يريد البصرة وكان من رؤساء قتلة الحسين ع فخاف الشماتة فعدل إلى شراف فقال له أهل الماء ارحل عنا فانا لا نأمن المختار فارتحل عنهم فتلاوموا وقالوا قد أسانا فركب جماعة منهم ليردوه فلما رآهم ظن أنهم من أصحاب المختار فسلك الرمل بمكان يدعى البيضة وذلك في أشد ما يكون من حرارة القيظ فيما بين بلاد كلب وبلاد طيئ فقال فيها فأهلكه ومن معه العطش ، وعمرو بن الحجاج هذا هو الذي كان على المشرعة يمنع الحسين ع من الماء فأهلكه الله تعالى عطشا في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .