حسن الأمين

170

مستدركات أعيان الشيعة

بإرجاع الخلافة إلى أبناء علي ، حتى إذا انتصروا ، استأثروا بها دونهم ، وراحوا يتعقبونهم وينكلون بهم ، فشردوا في الأرض أو استكانوا على مضاضة ، ولذا راح الشاعر يطالبهم بإرجاع هذا الحق إلى أهله ، لأنهم ليسوا أهلا له ، ويعيرهم عجزهم عن رد أعدائهم ، وتقاعسهم عن نصرة الدين ، واكتفائهم بشرب الخمرة وسماع الغناء كأنهم بذلك يرجون النصر . ونوم بني العباس فوق جنوبهم ولا نصر إلا قينة وأكاويب وفي هذا القول سخرية مرة ، إذ يطلبون النصر من كوب يشربون به ، أو قينة يسمعون إليها ، وهذا منتهى العجز ، بينما يذكر أن سيده المعز ، هو الذي يدافع عن الدين ، ويحفظ الشريعة ، ويعيرهم كون جدهم العباس من الطلقاء ، وان جدتهم أمة تدعى نثلة : لستم كأبناء الطليق المرتدي بالكفر حتى عض فيه أسار أبناء نثلة ما لكم ولمعشر هم دوحة الله الذي يختار ردوا إليهم حقهم وتنكبوا وتحملوا فقد استحم بوار ودعوا الطريق لفضلهم فهم الالى لهم بمجهلة الطريق منار كم تنهضون بعبء عار واصم والعار يأنف منكم والنار يلهيهم زمر المثاني كلما ألهاكم المثني والمزمار وليس لابن هاني في الهجاء المستقل ، إلا قصيدة واحدة ، وهناك أخرى في وصف أكول يصوره فيها تصويرا ساخرا . وإذا كان الهجاء وصفا للعيوب من تجسيمها حتى تظهر نافرة تحمل على الاشمئزاز أو الاحتقار ، فان قصيدة ابن هاني في هجاء الوهراني تحوي الشروط التي يقتضيها فن الهجاء . والوهراني هو كاتب الأمير جعفر ، ممدوح الشاعر ، واسمه أحمد ، ويكنى بأبي جعفر ، ويعرف بالوهراني ، ويظهر أن أسبابا حدثت ، حملت الشاعر على هجاء هذا الرجل ، ولكننا لا نستطيع تحديدها ولم يتعرض إلى غير هذا الرجل بهجاء إلا ذلك الأكول ، الذي وصفه بشكل مضحك . يبتدئ ابن هاني هجاء الوهراني بالفخر بنفسه ، فيصبغ عليها صفات حميدة كأنه يريد بذلك أن يبين الفرق بينه وبين المهجو حتى تظهر عيوب المهجو مجسمة : طلب المجد من طريق السيوف شرف مؤنس لنفس الشريف ان ذل العزيز أفظع مرأى بين عينيه من لقاء الحتوف ليس غير الهيجاء والضربة الأخدود فيها والطعنة الأخطيف أنا من صارم وطرف جواد لست من قبة وقصر منيف ليس للمجد من يبيت على المجد بسعي وان ونفس عزوف وعدتني الدنيا كثيرا فلم اظفر بغير المطال والتسويف كلما قلب المحدد فيها اللحظ ولي بناظر مطروف علمتني البيداء كيف ركوب الخيل والليل كيف قطع التنوف بهذه الأبيات الجميلة الجزلة يصف نفسه . وبعد ذلك ينتقل إلى هجاء الوهراني الذي يسميه « أبا الجعر » والجعر نجو الحيوانات ، فيسب الأيام التي ساعدته على أن يصبح كاتبا للأمير ، ويدعي أن الأيام إنما تساعد السخفاء الأغبياء ، وتحارب الأذكياء ، وينعته بالخسة والدناءة ، وسخافة الرأي ، والجهل ، والعي ، والكذب ، والخنى ، إلى ما هنالك من الصفات البذيئة السيئة ثم لا يكتفي بذلك ، بل يحاول أن يثير التشاؤم في نفس الأمير جعفر من اصطحابه هذا الكاتب المشئوم ، ليقيله من منصبه ، بل يحضه على ذلك مخافة أن يلحقه شؤم هذا الكائب : إن أيام دهرنا سخفات فهي أعوان كل وغد سخيف زمن أنت يا أبا الجعر فيه ليس من تالد ولا من طريف ان دهرا سموت فيه علوا لوضيع الخطوب وغد الصروف إن شاوا طلبته في زمان الملك عندي لشاو بين قذوف إن رأيا تديره لمعنى بضلال الإمضاء والتوقيف ان لفظا تلوكه لشبيه بك في منظر الخباء الجليف كاذب الزعم مستحيل المعاني فاسد النظم فاسد التأليف أنت لا تغتدي لتدبير ملك إنما تغتدي لرغم الأنوف نلت ما نلت لا بعقل رصين في المساعي ولا برأي حصيف أنت في دولة الحبيب إلينا فترفق بالماجد الغطريف فإذا ما نعبت شر نعيب فعلى غير ربعه المألوف لست أخشى إلا عليه فكن بالأريحي الرؤف جد رؤوف كيف صاحبته بأخلاق وغد لا يني في يبوسة وجفوف وخنى حالف بأنك ما أصبحت يوما لغيره بحليف ويفتش عن تهم يلصقها به تقوده إلى الموت ، فلا يجد أقوى من اتهامه بمخالفة العقيدة الشيعية ، ومروقه من الدين ، وتحالفه مع الأمويين ، وكرهه للفاطميين : إن فيه لشعبة من بني مروان تنبي عن كل أمر مخوف متخل من اثنتين برئ من إمام عدل ودين حنيف ونشعر أن ابن هاني في هجائه يصدر عن حقد قوي ، ويرمي مهجوه بكل عيب ، ويلصق به أبشع التهم ، وأشدها على الإنسان ، وقد تقوده إلى الموت ، وعلى كل ففي القصيدة جمال في البناء ، وجمال في المعنى ، إذا ما نظرنا إلى فن الهجاء بمقاييسه الخاصة . وللشاعر قصيدة أخرى يصف فيها أكولا ، فيعطينا صورة واضحة مضحكة حتى يبدو وكأنه مصور « كاريكاتوري » هزلي يعني بالنواحي التي تثير الضحك ، فيبرزها بشكل مشوه فاسمع إليه يصف هذا الأكول : انظر إليه وفي التحريك تسكين كأنما التقمت عنه التنانين تبارك الله ما أمضى اسنته كأنما كل فك منه طاحون كان بيت سلاح فيه مختزن مما أعدته للرسل الفراعين كأنما الحمل المشوي في يده ذو النون في الماء لما عضه النون لف الجداء بأيديها وأرجلها كأنما افترستهن السراحين وغادر البط من مثنى وواحدة كأنما اختطفتهن الشواهين الرثاء ليس لشاعرنا في هذا الفن إلا ثلاث مرات في شخصين لا يمتان إليه بصلة قربى ، فقد رثى إبراهيم بن جعفر الذي مات صغيرا بقصيدة واحدة ، ورثى أم جعفر في القصيدتين الباقيتين ، ونحن لم نقع له على رثاء قريب ، ولذا لا نستطيع الحكم على عاطفته من رثائه لا باعد عنه ، إذ أن رثاء الأباعد لا يمكن أن يكون قوي العاطفة كرثاء الأقارب ، ويغلب على رثائه لابن إبراهيم بن جعفر وأم جعفر الاتزان العقلي ، والتأمل الفكري ، وكأنه ينظر