حسن الأمين

171

مستدركات أعيان الشيعة

إلى البعيد البعيد من أغوار الحياة وأعماقها ، فيستخرج من ذلك حكما جميلة ، وكذلك يغلب على رثائه نفحة من زهد في هذه الحياة التي لا ترعى ذماما لأحد ، ولا تحفظ عهدا ، وكأنه يعزى بذلك السامعين من أهل الفقيد . والواقع أنه في مثل هذا الموقف يعود الإنسان إلى نفسه ليتأمل الحياة عارية من زخارف التصنع وبهارجه ، وإذا به يرى الراحل مثالا سيحذو حذوه يوما على كره : لا رجاء في خلود كلنا وارد الماء الذي كان ورد وأجمل ما في رثاء ابن هاني ، هو حسن اختياره لهذه الأوزان الخفيفة الصالحة للغناء ، يحرك بانشادها أوتار نفسه ، وأوتار نفوس السامعين . مات ابن إبراهيم بن جعفر وله من العمر خمس سنوات ، فرثاه ابن هاني قال : مات من لو عاش في سرباله غلب النور عليه فاتقد سيد قوبل فيه معشر ليس في أبنائهم من لم يسد نافس الدهر عليه يعربا فرأى موضع حقد فحقد هاب أن يجري عليه حكمه فنوى الغدر له يوم ولد حيث لم ينظر به ريعانه إنما استعجله قبل الأمد قصدته ترب خمس أسهم لو رمته ترب عشر لم تكد [ نما ] انما كان شهابا ثاقبا صعق الليل له ثم خمد جاورت روض ثراه ديمة تحمل اللؤلؤ رطبا لا البرد ثم يعزي الشاعر الوالد ، فيقول : لا ملوم أنت في بعض الأسى غير أن الحر أولى بالجلد إلى أن يقول : ان تسلنا ففريق ظاعن وليالينا بنا عيس تخد فلقد أسرع ركب لم يعج ولقد أدبر يوم لم يعد أما قصيدتاه في رثاء والدة جعفر فقد أكثر فيهما من الحكم وفيهما من البلاغة ما يدعو إلى الاعجاب ، قال يرثيها : أعقيلة الملك المشيعها هذا الثناء وهذه الزمر شهد الغمام وان سقاك حيا إن الغمام إليك مفتقر كم من يد لك غير واحدة لا الدمع يكفرها ولا المطر ولقد نزلت بنية علمت ما قد طوته فهي تفتخر وبعد أن يعدد أياديها على الناس ، يصف بكاء الناس عليها ، وتاسفهم على فقدها ، فكأنهم يحملون بين ضلوعهم جمرا ، وكأنهم بفقدهم هذه المرأة الجميلة ، فقدروا الخبرة والرأي السديد ، والكرم وحسن الأخلاق ، فقد كانت يعتفيها الناس ، فتغمرهم عطاء : فإذا سمعت بذكر سؤددها ليلا أتاك الفجر ينفجر ولقد تكون ومن بدائعها حكم ومن أيامها سير انا لنؤتى من تجاربها علما بما نأتي وما نذر قسمت على ابنيها مكارمها ان التراث المجد لا البدر وفي قصيدته الثانية يرثيها قائلا : إذا الودق في مثل هذا الرباب ؟ وذا البرق في مثل هذا السنا ؟ إلا انهل هذا بماء القلوب وأوقد هذا بنار الحشا وفي ذي النواويس موج البحار وما بالبحار إليه ظما هلموا فذا مصرع العالمين فمن كل قلب عليه أسى ثم يقول فيها : فلو جاز حكمي في الغابرين وعدلت أقسام هذا الورى لسميت بعض النساء الرجال وسميت بعض الرجال النسا وهكذا نرى أن هذه المراثي الثلاث جميلة وحلوة معنى ومبنى ، فجمال الأسلوب ، لا يقل عن هذه المعاني جمالا ، بيد أننا لا نحس أن الشاعر قد مس في عاطفته فبكى وان تباكى . الحكمة ليست الحكمة عند ابن هاني وليدة العلم والمعرفة الفلسفية ، ولكنها خلاصة خبرة ونتيجة تأمل ، وهي بسيطة للغاية ، لا يظهر عليها أثر التصنع الفلسفي ، ولا التعمل الفكري العميق ، وكأني بهذه الحكمة تساير ثقافة الشاعر العربية الخالصة ، التي لم تعقدها الفلسفة بافكارها المتنوعة ، وهي حكمة مستمدة من تجارب الحياة ، ولا يعني هذا أن الشاعر قد مر بالضرورة في هذه التجارب كلها فخبر الحياة بحلوها ومرها ، بل نرى أنه جرب وقرأ وتأمل وأخذ من تجارب غيره ما يحتاج ، ومن تاملاته ما رآه صوابا ، فكانت حكمة لا تحتاج إلى تفكير عميق لأنها تنبع من صميم الحياة ، ولم يكثر منها كما أكثر المتنبي ، بل كانت له ومضات قليلة ، طال بعضها ، وقصر بعضها الآخر ، وقد ورد في قصائده أبيات متفرقة ، ولكنه تعمد الحكمة تعمدا في الرثاء وكأنه يود أن ينقل أهل الفقيد من التفكير بهول المصيبة ، إلى التفكير في الحياة ذاتها ، فيجدوا في ذلك عزاء ، ويبدو أن هذه التأملات هي التي صرفت ابن هاني عن الاتجاه العاطفي في الرثاء ، فظهر هادئا رزينا أمام المصيبة ، فهو رجل يرى ويفكر ويعلم أن غاية كل حي إلى هذه الحفرة من التراب ، ويعلم أن البكاء لا يرد ميتا ، فما النفع إذن من كل هذا البكاء ، وما ذا تعوضنا مداومة الأحزان غير الهم والكدر . وثقافة ابن هاني العربية ثقافة واسعة ، فقد أخذت من القرآن وعلومه بأوفر نصيب ، وضربت في علوم اللغة بسهم وافر ، وكان له من تفكيره ما يقوده إلى هذه النتائج غير المفلسفة ولا المعقدة . وهذه الحكم المتفرقة في قصائده ، وإن كانت قليلة ، تدل على نضجه الفكري ، ونظرته الواقعية للأمور ، يرى الأيام في تقلباتها وتصرفاتها ، فإذا هي لا تقر إنسانا على حال ، تفرحه اليوم فتبكيه غدا . تمر هذه التأملات في ذهنه فإذا هي على لسانه أبيات من الشعر جميلة ، يتغنى بها لسانه ، ويحسها فؤاده . نقرأ له : وما الناس إلا ظاعن ومودع وثاو قريح الجفن يبكي لراحل فهل هذه الأيام إلا كما خلا وهل نحن إلا كالقرون الأوائل نساق من الدنيا إلى غير دائم ونبكي من الدنيا على غير طائل فما عاجل ترجوه إلا كآجل ولا آجل تخشاه إلا كعاجل ( 1 ) فنحس روحا تزهد في الحياة ، وتمل البقاء قبل أن تشبع من الحياة ، أو تتملى من مباهج الدنيا ، وهذه هي عملية الفكر الواعي ، يرى تصرفات الحياة فيعلم أنها لا ترضى إلا إذا مزجت لذائذ الحياة بمرارة الصاب :

--> ( 1 ) ديوان : ق 42 .