حسن الأمين

169

مستدركات أعيان الشيعة

ويذكر إخلاصه للمعز فيقول : وإذا الذين أعدهم شيعا إذا قيسوا إليه كعبد الأوثان نضحت حرارة قلبه بمودة ضربت عليه سرادق الايمان هذا هو مدح ابن هاني لمن كانوا عونا للمعز ، وزراء أو عمالا أو قادة ، وقد بقي علينا أن نرى مدحه للمعز ، علنا نستخلص لهذا صورة ، وأود أن أشير قبل ذلك إشارة خاطفة إلى أن ابن هاني لا يتوكأ على الآيات القرآنية في مدح هؤلاء ، مما سيجعلنا نستطيع التمييز بين مدحه للمعز ومدحه لغيره . الشاعر والمعز لدين الله اقترن اسم ابن هاني الأندلسي باسم المعز لدين الله الفاطمي ، ذلك لأنه كان شاعره الذي أراد أن يفاخر به شعراء المشرق . ومن يتصفح ديوان ابن هاني ، يعجب إذ لا يقع فيه إلا على إحدى وعشرين قصيدة من أصل ستين قصيدة في الديوان الذي نشره الشاعر ، زاهد علي ، مع بضع قصائد أخرى نسبت إليه وبعض المقاطع في موضوعات مختلفة في حين أن الشاعر عاش في إفريقيا ما يقرب من ثماني عشرة سنة . لقد مدح ابن هاني المعز بقصيدة مطلعها : أقول دمي وهي الحسان الرعابيب ومن دون أستار القباب محاريب وفي هذه القصيدة يشير إلى معارك خاضها جيش المعز مع الروم وانكسار بني أمية أمام جيش المعز الذي أغار على بلادهم : لقيت بني مروان جانب ثغرهم وحظهم من ذاك خسر وتتبيب وقد وقعت هذه المعركة في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة 344 ( 955 ) عندما أغزى المعز عامله على صقلية ساحل المرية : ولا مدح إلا للمعز حقيقة يفصل درا والمديح أساليب نجار على البيت الإمامي معتل وحكم إلى العدل الربوبي منسوب ولم أر زوارا كسيفك للعدى فهل عند هام الروم أهل وترحيب إذا ذكروا آثار سيفك فيهم فلا القطر معدود ولا الرمل محسوب تشب لها حمراء قان أوارها سبوح لها ذيل على الماء مسحوب ويعيب على بني أمية تقاعسهم عن الدفاع عن أراضيهم ضد الغزاة ويعيرهم بالتخاذل ويتطرق إلى بني العباس في الشرق فيرميهم بالقعود عن نصرة الدين وتخاذلهم أمام جيوش الروم التي تهاجم الثغور في البلاد الإسلامية وصرفهم أوقاتهم في الشرب والسماع : ونوم بني العباس فوق جنوبهم ولا نصر ألا قينة وأكاويب لذا لا يبقى إلا المعز وحده يدافع عن الدين ، ويحفظ حرمة المسلمين ، ويرد عادية المغيرين : ولا عجب والثغر ثغرك كله وأنت ولي الثار والثار مطلوب وأنت نظام الدين وابن نبيه وذو الأمر مدعو إليه فمندوب وفي قصيدة أخرى لاحقة في التاريخ إلى السابقة ، يشير إلى اخفاق بني أمية في النزول على الساحل الإفريقي : خابت أمية منه بالذي طلبت كما يخيب برأس الأقرع المشط وحاولوا من حضيض الأرض إذ غضبوا كواكبا عن مرامي شاوها شحطوا تالله لو كانت الأنواء تشبهه ما مر بؤس على الدنيا ولا قحط امام عدل وفي في كل ناحية كما قضوا في الإمام العدل واشترطوا لا يغتدي فرحا بالمال يجمعه ولا يبيت بدنيا وهو مغتبط يا أفضل الناس من عرب ومن عجم وآل أحمد أن شبوا وان شمطوا ليهنك الفتح لا أني سمعت به ولا على الله فيما شاء اشترط وفي المعز يقول : أفيقوا فما هي إلا اثنتان أما الرشاد وأما العمى لكل بني أحمد فضله ولكنك الواحد المجتبى وما لا يرى من جنود السماء حولك أكثر ممن يرى ليعرفك من أنت منجاته إذا ما اتقى الله حق التقى كان الهدى لم يكن كائنا إلى أن دعيت معز الهدى ولم يحكك الغيث في نائل ولكن رأي شيمة فاقتدى شهدت حقيقة علم الشهيد بأنك أكرم من يرتجى فلو يجد البحر نهجا إليك لجاءك مستسقيا من ظما إلى مثل جدواك تنضى المطي ومن مثل كفيك يرجى الغنى ( 1 ) ونحن نلمس حرارة الايمان في مدائح ابن هاني للمعز مما يرتفع بها عن المدح المبتذل الذي اعتاده الشعراء ، فهي تعبير قوي عن الاعجاب واليقين والاعتقاد ، وهي صدى لما يعتمل في نفس الشاعر من تمجيد لمواقف المعز في كفاح المعز للبيزنطيين وغيرهم من أعداء العروبة والإسلام . الهجاء ليس لابن هاني في هذا الفن إلا قصيدة واحدة قائمة بذاتها هجا بها الوهراني كاتب جعفر بن علي بن حمدون ، وهناك قصيدة أخرى يصف فيها أكولا بشكل مضحك ، وفيما عدا ذلك فقد جاء الهجاء في معرض المدح ، وهذا في القصائد التي مدح بها المعز لدين الله الفاطمي ، إذ أنه كان مضطرا لأن يذكر خصوم الامام ، بما يرضي عنه الامام . وابن هاني عندما يعرض للأمويين يهجوهم ، ويعتبرهم مغتصبي حق الفاطميين ، ويذكر مكانتهم في الإسلام ، ويتحدث عن عجزهم في حفظ ثغورهم : إلا أن يوما هاشميا أظلهم يطير فراش الهام عن كل مجثم كيوم يزيد والسبايا طريدة على كل موار الملاط عثمثم وقد غصت البيداء بالعيس فوقها كرائم أبناء النبي المكرم فما في حريم بعدها من تحرج ولا هتك ستر بعدها بمحرم وقد حملهم على هذا الأمر ذلك الحقد الموروث من أيام الجاهلية ، والضغينة التي لم يستطع الإسلام أن يمحوها من صدورهم ، بل كبتها إلى زمن ، حتى إذا وجدت منفرجا ، خرجت قوية ، وعملت فاتكة غير راحمة ، فهم ينتقمون لقتلاهم ببدر : وبالحقد حقد الجاهلية أنه إلى الآن لم يظعن ولم يتصرم وبالثار في بدر أريقت دماؤكم وقيد إليكم كل أجرد شيظم وأما بنو العباس فليسوا أقل إيذاء لأحفاد علي فقد كانوا يطالبون

--> ( 1 ) مرت مدائح ابن هاني في المعز في ترجمة ابن هاني في المجلد العاشر فلا نعيدها هنا ( ح ) .