حسن الأمين
151
مستدركات أعيان الشيعة
ومناطق إيران الشمالية تحت النفوذ الروسي مما شجع الشاه محمد علي على التمادي في نزعته الاستبدادية ، وصار حرا يعمل ما يشاء دون أن يخشى من تدخل بريطانيا في دعم أنصار المشروطية . كان الشاه محمد علي يحيط به مستشارون روس ، وهو يتأثر بآرائهم تأثرا كبيرا ولا سيما برأي رجل منهم يهودي اسمه شبشال . يقول المؤرخ لنشوفسكي : أن الروس كانوا يعتقدون بان حركة المشروطية هي من تدبير بريطانيا ويعتبرونها مهددة لسطوتهم ونفوذهم في إيران ، فاستغلوا تقربهم من بريطانيا في عام 1907 وشجعوا الشاه محمد علي على تعطيل الدستور . صار الشاه محمد علي على أي حال يبذل الأموال ويحشد الأنصار في سبيل القضاء على حركة المشروطية في بلاده ، وكان الشعار الذي رفعه في ذلك هو أن الدستور بدعة مخالفة للشريعة الإسلامية . أما أنصار المشروطية فكان يتزعمهم السيد محمد الطباطبائي والسيد عبد الله البهبهاني . وبهذا انقسم الشعب الإيراني إلى حزبين متطاحنين ، وصار كل حزب منهم يكفر الحزب الآخر ويدعو إلى محاربته . تألفت في طهران وأكثر المدن الإيرانية نواد أو مجالس محلية تشبه تلك التي ظهرت في فرنسا إبان ثورتها الكبرى ، وقد أطلق عليها اسم « الأنجمن » . فكانت هذه النوادي تجمع التبرعات وتحشد الأنصار وتدربهم على السلاح بغية الدفاع عن المشروطية . وكثيرا ما شوهد رجال الدين بعمائمهم وهم يتدربون على استعمال البنادق معتقدين أنهم يقومون بواجب الجهاد في سبيل الله . وبعد صراع عنيف بين الشاه والمجلس النيابي استطاع الشاه في حزيران 1908 أن يوجه للمشروطية ضربة قاصمة ، فأعلن الأحكام العرفية ووجه جنود « القوزاق » بقيادة لياخوف الروسي لتطويق المجلس ، ثم أمر بإطلاق المدافع عليه . وانتشر الرعب في طهران ، وأخذ أنصار المشروطية يلوذون بالفرار ، فاستطاع بعضهم أن يلتجئ إلى المفوضية البريطانية وينجو بنفسه بينما وقع البعض الآخر في قبضة القوات الحكومية . وقد شنق من المقبوض عليهم اثنان أحدهما الميرزا جهانكير خان صاحب جريدة « صور إسرافيل » الثورية ، والثاني هو الميرزا نصر الله الأصفهاني الذي كان من أشد وعاظ المشروطية تأثيرا في الجماهير حتى كان يلقب ب « ملك المتكلمين » وهو الذي لا يزال تمثاله قائما في أحد شوارع طهران . وبعد أن انتصر الشاه في طهران أبرق إلى ولاته في أنحاء إيران يأمرهم بالغاء المشروطية وتشتيت شمل أنصارها وسد نواديهم . وأخذ الولاة ينتقمون من أنصار المشروطية ، فكانوا يجلدون من يقع في أيديهم منهم أو يبعدونه أو يحبسونه . . . لم يهنأ الشاه بانتصاره طويلا ، فقد هبت الثورات عليه في بعض المدن ، وكان أهم هذه الثورات تلك التي نشبت في تبريز إذ استطاع أنصار المشروطية فيها أن ينظموا أنفسهم تنظيما جيدا وتمكنوا من السيطرة على المدينة فترة غير قصيرة من الزمن ، وقد شجعت هذه الثورة أهل رشت لأن يقوموا بثورة مماثلة ، وتحركت القوات الرشتية نحو مدينة قزوين فاحتلتها ثم توجهت نحو طهران . وجاءت الضربة القاصمة أخيرا على يد الحاج علي قلي خان رئيس قبائل البختيارية في منطقة أصفهان وهو المعروف بلقب « السردار أسعد » ، فقد حشد هذا الرجل قوات مقاتلة بلغ عدد أفرادها ألفين ومعها عدة مدافع . وفي حزيران من عام 1909 توجه السردار أسعد بقواته نحو طهران ، والتقى على مقربة منها بالقوات القادمة من رشت ، وفي 12 تموز دخل طهران فاتحا . وعند هذا أدرك الشاه حراجة موقفه فالتجأ إلى المفوضية الروسية طلبا للسلامة ، وأعلن الثوار عزله عن الملك وتتويج ابنه أحمد الذي كان في الثانية عشرة من عمره . الشقاق في العراق إن هذه الأحداث الصاخبة التي حدثت في إيران لا يمكن أن تمر دون أن يكون لها صداها في المجتمع العراقي . والواقع أن الرسائل والاستفتاءات أخذت تنهال من إيران على كبار المجتهدين في النجف تسألهم عن المشروطية هل هي حلال أم حرام . وكان جواب المجتهدين في أول الأمر أن المشروطية موافقة للشريعة الإسلامية ، غير أنهم انقسموا بعدئذ على منوال ما انقسم علماء إيران ، فادى ذلك إلى ظهور الجدال والتنازع في أوساط العامة مما كان له أثره البالغ في المجتمع العراقي وتطور وعيه السياسي . من أوائل الرسائل التي وردت إلى علماء النجف تستفتيهم في أمر المشروطية كانت هذه الرسالة ننقلها بعد ترجمتها إلى العربية : « إلى حضرات المجتهدين وحفظة الحكمة الإلهية - لا بد وانكم سمعتم بمجلس الشورى الشعبي وأنتم تعرفون جيدا أن هذا المجلس الذي يعمل على حفظ القوانين المستمدة من الطريقة الاثني عشرية المقدسة لمحو الظالمين والخائنين ونشر العدل على جميع البلاد وإعلاء شان الراية الإيرانية ، ويؤسفنا أن عددا من الأنانيين المفسدين أخذوا ينشرون الافتراءات والأكاذيب من أجل محو المجلس . فنحن ننتظر فتواكم في بيان تكليف المسلمين في هذا الشأن » . وعلى أثر وصول هذا الاستفتاء إلى النجف اجتمع كبار علمائها للجواب عليه ، وكانت فتواهم التي اتفقوا عليها هي كما يلي : « بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على القوم الظالمين إلى يوم القيامة . أما بعد فبالتاييدات الإلهية والمراحم السماوية وتحت توجيهات الهادي العالي الشأن حضرة صاحب الزمان روحنا فداه : إن قوانين المجلس المذكور على الشكل الذي ذكرتموه هي قوانين مقدسة ومحترمة وهي فرض على جميع المسلمين أن يقبلوا هذه القوانين وينفذوها . وعليه نكرر قولنا : إن الاقدام على مقاومة المجلس العالي بمنزلة الاقدام على مقاومة أحكام الدين الحنيف ، فواجب المسلمين أن يقفوا دون أي حركة ضد المجلس ( 1 ) وقد وقع على هذه الفتوى الملا كاظم الخراساني بالنيابة عن زملائه المجتهدين ، ولم يشذ عنهم في ذلك سوى مجتهد واحد هو السيد كاظم اليزدي إذ امتنع عن التوقيع . وكان امتناع هذا المجتهد بداية الانقسام بين المجتهدين ، ثم أخذ الانقسام يشتد ويستفحل بمرور الأيام . انقسم أهل النجف إلى فريقين متعاديين : أحدهما يدعو إلى المشروطية
--> ( 1 ) محمد علي كمال الدين التطور الفكري في العراق ، ص 23 - 24 .