حسن الأمين
152
مستدركات أعيان الشيعة
بزعامة الملا كاظم الخراساني ، والآخر يدعو إلى الاستبداد بزعامة السيد كاظم اليزدي . ويجب أن لا ننسى في هذا الصدد ما في المجتمع النجفي من ميل مفرط إلى الجدل بوجه عام ، فلما جاءت قضية المشروطية كانت حافزا جديدا فيه حيث انثال الناس يتجادلون حولها بعنف شديد إلى درجة لم يسبق لها مثيل من قبل . وقد أشار أحد الشعراء إلى ذلك حيث قال : تغيرت الدنيا وأصبح شرها يروح بافراط ويغدو بتفريط إلى أين يمضي من يروم سلامة وما الناس إلا مستبد ومشروطي حدثني الكتبي النجفي عبد الحميد زاهد : أنه كان في تلك الأيام صبيا يلعب مع أقرانه في الأزقة ، فكان الصبيان عند اللعب يقسمون أنفسهم إلى فريقين : مستبدة ومشروطة ، ثم تنشب المعارك بينهم تقليدا لما يقع بين الكبار . ومما زاد في الطين بلة أن الروس أسسوا في النجف قنصلية وعينوا لها رجلا واسع الحلية شديد الدأب في مقاومة المشروطية هو أبو القاسم الشيرواني ، فتم التعاون بينه وبين اليزدي . واستطاع اليزدي أن يستميل إليه الكثير من العامة ومغاوير المحلات من رجال « الزقرت » و « الشمرت » ، فكان إذا خرج إلى الصلاة حف به المسلحون من أعوانه وهم يهتفون بالصلاة على محمد وآل محمد - تحديا لأنصار المشروطية . وصارت الإشاعات تروج في أوساط العامة حول المشروطية بان المقصود منها هو هدم الدين وإفساد الأخلاق . وفي أحد الأيام ظهر على بعض الجدران في النجف إعلان فيه صورة يد تمسك مسدسا وفيه تهديد لليزدي بأنه سيقتل إذا لم ينزل على إرادة أنصار المشروطية ، فهاج العوام لذلك وصار أنصار المشروطية عرضة للاعتداء والضرب في الأسواق والطرقات بحجة أنهم زنادقة مارقين عن الدين . الواقع أن الجدال حول المشروطية لم يقتصر على النجف وحدها بل سرى إلى كربلاء والكاظمية وبعض المدن الشيعية الأخرى . حدثني أحد المسنين من أهل الكاظمية عما جرى في هذه البلدة من نزاع شديد وجدال حول المشروطية ، فقد كان أكثر العامة من دعاة الاستبداد ويعدون الملا كاظم الخراساني هو واتباعه كفارا ولا يكادون يسمعون عن أحد العلماء أنه « مشروطة » حتى ينفضوا عنه ويلعنوه ويتركوا الصلاة خلفه . حاول أحد دعاة المشروطية ، وكان شابا شديد الحماسة أن يجمع التواقيع في تأييدها ، فذهب إلى أحد العلماء في الصحن الكاظمي يطلب منه توقيعه ولما وجده يرفض إعطاء خاتمه للتوقيع سحب السجادة من تحته ومنعه من الصلاة ، وقد حدثت في الكاظمية ضجة من جراء ذلك وهب نفر من مغاوير المحلات فطاردوا الشاب ثم أمسكوا به في أحد الأزقة واعتدوا عليه اعتداء منكرا ، وحين علمت الحكومة بالأمر أرسلت قوة من الجنود لحماية الاستبداديين ، فادى ذلك إلى انكماش المشروطيين وتضاؤل نفوذهم في البلدة ، وظل الوضع كذلك فيها حتى يوم إعلان الدستور في البلاد العثمانية حيث انقلب الوضع إلى عكسه . من النوادر الأدبية التي تروى عن تلك الفترة أن أحد علماء الكاظمية وهو السيد محمد مهدي الصدر نظم بيتين من الشعر في ذم الاستبداديين ، فانبرى الشيخ عبد الحسين الأسدي يرد عليه حيث قام بتشطير البيتين مما أدى إلى قلب معناهما إلى النقيض منه . ننقل فيما يلي البيتين مع تشطيرهما ، وقد وضعنا التشطير بين قوسين تمييزا له عن الأصل : المستبدون قد تاهوا بغيهم ( بذاك قد قال قوم وافتروا زورا ) ( صم وبكم فهم لا يعقلون كما ) لم يجعل الله في أبصارهم نورا لو كان يمكنهم أن ينسخوا نسخوا ( ما كان في لوحه المحفوظ مسطورا ) ( مالوا لشورى الأولى قد حرفوا علنا ) من الكتاب عنادا آية الشورى عند إعلان الدستور العثماني أعلن الدستور في البلاد العثمانية في 23 تموز من عام 1908 ، وانتشرت مظاهر الزينة والابتهاج في العراق بتلك المناسبة ، فكان هذا التحول الفجائي في موقف الحكومة العثمانية من المشروطية عاملا مهما في تدعيم موقف الملا كاظم الخراساني وأعوانه وانخذال أعوان السيد كاظم اليزدي . من طبيعة العامة أنهم يستاسدون في حالة الأمن من الخطر ، فإذا حل بهم الخطر انكمشوا في بيوتهم وأخذ كل منهم يتبرأ من عمل آخر ويزعم أنه لا دخل له في الأمور . وهذا هو ما حدث في النجف عند إعلان الدستور العثماني ، فقد انكمش العوام أتباع اليزدي وأصبح الجو ملائما لأتباع الخراساني يصولون فيه ويجولون . ونظم الشيخ علي الشرقي قصيدة يهجو بها اليزدي ويتشفى به ، كما نظم السيد صالح الحلي بعض الأبيات اللاذعة من الشعر قارن في أحدها بين اليزدي ويزيد . كان قائم مقام النجف يوم ذاك ناجي السويدي ، وهو بغدادي أديب له صلات حسنة مع أنصار المشروطية ، وقد بذل جهده في تأييدهم . ثم زار النجف ثريا بك من زعماء الاتحاديين فاجتمع بالخراساني في إحدى المدارس الدينية ، فكان يوما حافلا في النجف ابتهج له الأنصار وابتاس الخصوم . ويمكن القول أن بعض الذين كانوا من أنصار اليزدي تحولوا عنه وأخذوا يتملقون للحكومة ويهتفون بأعلى أصواتهم « يعيش الدستور ! » - وليس هذا بالأمر الغريب ! إنذار الخراساني إلى الشاه عندما اشتد الصراع بين الشاه محمد علي وأنصار المشروطية في إيران وضع الملا كاظم الخراساني كل ثقله إلى جانبهم ، وبذل جهودا كبيرة لتدعيم موقفهم ضد الشاه . كان للخراساني كاتب نشيط اسمه الشيخ علي المحلاتي ، فكان هذا الكاتب يأخذ الفتاوى والمقالات التي يصدرها الخراساني ضد الشاه فيطبع منها آلاف النسخ ثم يرسلها تهريبا عبر الحدود إلى إيران لكي توزع هناك سرا . وكان لهذه المنشورات أثر لا يستهان به في تحريض الإيرانيين على الشاه وفي عزله أخيرا . ننقل فيما يلي ترجمة جزء من أحد تلك المنشورات حيث يخاطب الخراساني فيه الشاه بشدة وينذره ويتوعده : « يا منكر الدين ويا أيها الضال الذي لا نستطيع مخاطبتك بلقب شاه . كان المرحوم أبوك أعطى الدستور ليرفع الظلم والتصرفات غير القانونية عن الشعب الذي كان في ظلام دامس قرونا عديدة حيث أنه لا يوجد في المشروطية شيء يخالف الدين . . . ولكنك من اليوم الأول الذي تبوأت فيه