حسن الأمين

150

مستدركات أعيان الشيعة

من كثرة عددهم شيء كثير من الأذى ، وكانت مطابخهم وتحضير طعامهم في غاية النظام ، وكان منظرهم في الليل رائعا حيث كان لكل خيمة روضه خوان خاص بها ، فيجتمع سكان الخيمة حوله ليستمعوا إلى قصة المقتل حيث يبكون على طريقتهم العجيبة ويضربون رؤوسهم من شدة الحزن . . . ) . اضطر الشاه أخيرا إلى الرضوخ لإرادة الشعب ، فعزل « عين الدولة » من منصبه ونصب في مكانه رجلا من أنصار المشروطية هو نصر الله خان ، ثم أصدر أمره بإجراء الانتخابات للمجلس النيابي الذي سمي ب « المجلس الشوروي الملي » . التجاء في كربلاء لم يمض على حادثة التجاء أهل « البازار » في طهران إلى المفوضية البريطانية سوى مدة قصيرة حتى جرت في كربلاء حادثة مماثلة خلاصتها : أن الحكومة المحلية في كربلاء فرضت على الإيرانيين الساكنين فيها ضرائب خاصة ، فأعلن الإيرانيون احتجاجهم على تلك الضرائب وتذمرهم منها ، وكان يشجعهم على هذا الاحتجاج والتذمر محمد حسن خان القندهاري الذي كان يتولى وظيفة نائب القنصل البريطاني في كربلاء . فكان هذا الرجل يغريهم ويمنيهم . وقد وثقوا بوعوده فتجمعوا قريبا من دار القنصلية البريطانية الواقعة في محلة « الخيمگاه » وهم في حالة « الالتجاء » على الطريقة الإيرانية ، ففرشوا البسط في الشارع وعلقوا خياما على الجدران ليستظلوا بها من وهج الشمس ، واستمروا على ذلك أكثر من خمسين يوما يأكلون وينامون في مكانهم لا يتحولون عنه حتى سدوا الطريق على المارة . كان المتصرف في كربلاء يوم ذاك رشيد الزهاوي ، وقد حاول اقناعهم بالتفرق دون جدوى ثم وسط بعض رجال الدين في ذلك فلم يابهوا لهم . وقد بعث الميرزا حسين الخليلي والسيد كاظم اليزدي إليهم من النجف رسلا ينصحونهم فلم يستمع أحد منهم للنصح ، واضطر المتصرف أخيرا أن يرسل إليهم مدير الشرطة لينذرهم فقابلوا المدير بالاستهزاء وكأنهم كانوا واثقين أن الحكومة في العراق كحكومة إيران لا تستطيع أن تنتهك حرمة « الالتجاء » ، أو لعلهم ظنوا أن بريطانيا العظمى كلها تقف إلى جانبهم . وجهت الحكومة إليهم ثلاثة إنذارات متعاقبة كان الأول منها لمدة أسبوع ، والثاني لمدة أربع وعشرين ساعة ، والثالث لمدة ست ساعات . وقد حلت نهاية الإنذار الثالث من منتصف ليلة القدر من شهر رمضان 1324 ه‍ - الموافق 10 تشرين الثاني 1906 - فأحاط الجنود بالملتجئين ووجهوا عليهم رصاص بنادقهم من كل ناحية . إن الملتجئين لم يكونوا يتصورون أن الأمر سيصل إلى هذا الحد ، وقال قائل منهم : « لا تخافوا أنه ليس رصاصا حقيقيا » ، غير أنهم صاروا يتساقطون صرعى على الأرض ، فأسرعوا يستغيثون بالقنصلية يدقون بابها لتسمح لهم بالدخول فلم يجدوا منها غوثا . وعند هذا أطلقوا سيقانهم للريح بعد أن سقط منهم سبعون قتيلا وعدد كبير من الجرحى . استطاع السيد علي الشهرستاني من علماء كربلاء أن يذهب إلى بغداد وأن يتصل بالقنصل الإيراني ليخبره بما جرى ، وأبرق القنصل بتفاصيل الواقعة إلى طهران واسطنبول . ثم وصل إلى كربلاء خبراء أرسلهم القنصل البريطاني من بغداد للتحقيق في الأمر ، فشهدوا محل الواقعة وأثر الرصاص في جدران القنصلية . وكان من نتيجة ذلك أن عزلت الحكومة العثمانية والي بغداد مجيد بك وعينت في مكانه أبو بكر حازم . ان السؤال الذي يواجهنا هنا : هل كان هناك ارتباط سببي بين واقعة كربلاء وأحداث المشروطية في طهران ؟ وهل أن محمد حسن خان حرض الإيرانيين على « الالتجاء » من تلقاء نفسه أم هو فعل ذلك بايعاز من الحكومة البريطانية ؟ إن في هذا سرا لا نعرفه ، وربما كشفت عنه الوثائق فيما بعد . صياغة الدستور الإيراني افتتح المجلس الملي في طهران في 7 تشرين الأول من عام 1906 ، وقد حضر الشاه مظفر الدين حفلة الاحتفال على الرغم من مرضه ، وكان أول عمل اهتم به المجلس الملي هو تأليف لجنة لصياغة مواد الدستور ، وقد تمت صياغة الدستور وصادق عليه الشاه في شهر كانون الثاني من عام 1907 ، ثم مات الشاه بعد ذلك بأيام معدودة . كان الدستور الإيراني في كثير من نصوصه عبارة عن ترجمة حرفية للدستور البلجيكي الصادر في عام 1830 ، فهو يقوم على أساس المبادئ الديمقراطية التي كانت شائعة في أوروبا من حيث الاعتقاد بالقانون الطبيعي وحقوق الإنسان ، ولكن لجنة صياغة الدستور حرصت على أن يكون موافقا للشريعة الإسلامية لا يخالفها في شيء . نجد هذا واضحا في المادتين الأولى والثانية منه . وفيما يلي نصهما المترجم : المادة الأولى : الدين الرسمي للدولة هو المذهب الجعفري الاثني عشري الحق من الإسلام ، ويجب على الشاه أن يقر بهذا المذهب ويحميه . المادة الثانية : إن المجلس ، الذي تم تشكيله ببركة أمام العصر عجل الله فرجه ، وتفضل جلالة الشاه ، وسعي العلماء كثر الله أمثالهم ، والأمة الإيرانية ، لا يجوز له أبدا أن يسن أي قانون مناقض لشرائع الإسلام المقدسة . . . ومن الواضح أن العلماء هم الذين يقررون ذلك . ولهذا فالواجب رسميا في كل دورة من دورات المجلس أن تكون فيه لجنة مؤلفة من خمسة أشخاص هم من المجتهدين والفقهاء الورعين ، والعارفين أيضا لحاجات العصر ومقتضياته . . . وعلى المجلس أن يعتبر هؤلاء أعضاء فيه . ووظيفتهم هي أن يدرسوا جميع اللوائح التشريعية فإذا وجدوا فيها ما يخالف الشرائع الإسلامية المقدسة رفضوه . وأن قراراتهم في هذا الصدد واجبة التنفيذ ونهائية . وان هذا الشرط من الدستور لا يمكن تغييره إلى حين ظهور إمام العصر عجل الله فرجه . الشاه محمد علي بعد موت الشاه مظفر الدين تولى الحكم ابنه محمد علي ، وكان هذا طاغية سئ السيرة ، وأخذ منذ بداية حكمه يكيد للمجلس النيابي والحركة الدستورية ، ولهذا تميز عهده القصير بالصراع العنيف بين أنصار « الاستبداد » وأنصار « المشروطية » . ومما زاد في شدة الصراع عقد المعاهدة الروسية البريطانية في 31 آب 1907 . ففي هذه المعاهدة اقتسمت الدولتان النفوذ في إيران حيث حصلت روسيا على القسم الشمالي منها بينما حصلت بريطانيا على القسم الجنوبي ، فكان ذلك بمثابة ضربة قاسية على أنصار المشروطية إذ أصبحت طهران