حسن الأمين

142

مستدركات أعيان الشيعة

ولكن الشاه و « عين الدولة » سكتا عن موضوع « دار العدل » ومضت شهور وهما يتجاهلان هذا الموضوع . فبعث العلماء برسالة إلى الشاه يطلبون الوفاء لهم بوعده فلم يجبهم . فبعث « السيد عبد الله البهبهاني » برسالة إلى السفارة الإنكليزية يستنجد بها . وفي يوم 18 جمادى الأولى سنة 1324 تكلم على منبر أحد المساجد خطيب شهير محمود السيرة اسمه « الشيخ محمد سلطان المحققين » فانتقد « عين الدولة » انتقادا شديدا ، فاعتقل وأوقف في إحدى الثكنات ، فهاجم الطلاب وغيرهم من الأهالي الثكنة ، وأطلق الجند عليهم الرصاص فقتل اثنان من الطلاب أحدهما اسمه « السيد عبد الحميد » والآخر « الشيخ محمد » وجرح آخر اسمه « أديب المجاهدين » . فضجت المدينة بالثورة وأغلقت الأسواق وتقاطر التجار وغيرهم أفواجا إلى المسجد الجامع . وحضر « السيد محمد الطباطبائي » والسيد « عبد الله البهبهاني » و « الشيخ فضل الله نوري » وغيرهم من العلماء وقرروا التمسك بمطلب إنشاء « دار العدل » وعزل « عين الدولة » . وفي العشرين من جمادى الأولى من تلك السنة كانت طهران مجللة بمظاهر الحداد على الطالبين القتيلين ومواكب العزاء تتوالى طائفة في أنحاء المدينة تلطم الصدور . والعسكر الحكومي منتشر فيها يراقب الأوضاع . ثم تصادم الأهالي والعسكر في عراك شديد قتل وجرح فيه أكثر من مائة وعشرين رجلا . فعم المدينة غضب عظيم . وقرر « السيد محمد الطباطبائي » و « السيد عبد الله البهبهاني » وغيرهم من كبار العلماء المهاجرة إلى قم فغادروا طهران في 24 جمادى الأولى من تلك السنة . وبعد يومين لحق بهم « الشيخ فضل الله نوري » . وكان لالتحاقه بهم أثر كبير في تقويتهم وإضعاف موقف الحكومة . وأرسل السيد البهبهاني ساعة سفره رسالة أخرى إلى السفارة الإنكليزية طلب فيها إدامة المساعدة منها لهم . فأرسلت إليه السفارة جوابا إيجابيا مطمئنا . وأمر مشيعيه من الطلاب والتجار بالتحصن في السفارة الإنكليزية . فابتدأوا التحصن يوم 23 جمادى الآخرة سنة 1324 . مساء ، وهم تسعة نفر . ولكنهم أخذوا يزدادون شيئا فشيئا من جميع الطبقات حتى بلغ عدد المتحصنين خمسة آلاف في خلال بضعة أيام ، يطلبون كلهم عزل « عين الدولة » . وفي أثناء هذه الأحداث كان الاضراب العام والتظاهرات تشمل المدينة يوميا ، مطالبة بعزل الصدر الأعظم . وكان فريق كبير من العلماء قد لحق بالمهاجرين إلى قم من النجف وأصفهان ونواحي أخرى من إيران . فاضطر « عين الدولة » إلى الرضوخ ونشر مرسوما ملكيا بإنشاء « دار العدل » التي يطالب بها الرأي العام . ولكن المعارضين كانوا قد بلغوا من القوة بحيث تجاوزوا هذا الطلب إلى أبعد منه ، إلى طلب النظم النيابي الدستوري ، فلم يقنعوا بهذا المرسوم واستمروا في المعارضة حتى يحصلوا على طلبهم الأبعد . وكان لتأييد السفارة الإنكليزية لهم أثر كبير في تثبيتهم وإصرارهم . من ذلك برقية أرسلت باسم المتحصنين في السفارة إلى ملك إنكلترا وجاءهم الجواب عليها بتأييد الملك لهم وعطفه على حركتهم وأن السفارة أمرت بمساندتهم وتشجيعهم . وكذلك رأى فريق من أصحاب النفوذ ورجال البلاط أن مصلحة الشاه في عزل « عين الملك » . منهم « محمد علي ميرزا » ولي العهد و « كامران ميرزا » أخو الشاه و « حضرت عليا » زوجة الشاه . وأرسل الأول من تبريز برقية إلى أبيه نصحه فيها بالاستجابة لمطالب العلماء . وقال فيها : لا يجوز القضاء على أمة إكراما لرجل واحد ! وأطلعته زوجته على ما أخفاه عنه « عين الدولة » من وقائع . وأقدم أخوه « كامران ميرزا » ، بدون علم الشاه ، على إرغام « عين الدولة » بالتهديد والخشونة على الاستقالة فاستقال في التاسع من جمادى الآخرة سنة 1324 ونصب الشاه « الميرزا نصر الله خان مشير الدولة » صدرا أعظم في مكانه . وأذاع هذا نبا موافقة الشاه على إنشاء المجلس النيابي . وعاد المهاجرون من قم وخرج المتحصنون من السفارة الإنكليزية . ثم أقيم النظام النيابي واستمر قائما إلى يوم الثلاثاء 24 جمادى الأولى سنة 1326 . إذ ألغاه « محمد علي شاه » وضرب المجلس بالمدافع . ثم انتصر طلاب النظام النيابي ودخلوا طهران بالحرب يوم الثلاثاء 24 جمادى الآخرة . سنة 1327 . وعادت الحياة النيابية مرة أخرى . في أثناء هذه الأحداث العامة انفسح المجال للمنظمات الارهابية والحركات السرية المشبوهة وعملاء الاستعمار الانكليزي والهراطقة وأهل البدع لاستغلال حركة المطالبة بالنظام النيابي والانحراف بها عن غايتها إلى غاياتهم . فاندس في أوساط الحركة البابيون والأزليون ( فرقة من البابيين ) والماسونيون وأنشئت جمعيات سرية تناصر الحركة بعناوين مختلفة . وتطوع فيها مسلحون من حزب « الطاشناق » ، الحزب الأرمني الارهابي الشهير ، ومسلحون من اليساريين الارهابيين الروس والقفقاسيين والكرج . وناصرها خانات البختياريين ، لا حبا بالدستور والنظام النيابي فمثل هؤلاء أبعد الناس عن الدمقراطية ومفاهيمها ، بل انسياقا مع الإرادة الإنكليزية ، إذ كان الإنكليز قد رشوهم بمنحهم أسهما في شركة النفط الإنكليزية التي حصلت في زمن « مظفر الدين شاه » على امتياز باستنباط النفط في جنوب إيران وغربها ، فجعل البختياريون يغيرون على منشاتها ومعداتها ، وهي قائمة في أرضهم ، يسرقون ويخربون . فرشتهم الشركة بمنحهم أسهما فيها لتأمن شرهم . ومن ثم انقادوا في طريق الإنكليز . يضاف إلى هذا حقد البختياريين على القاجاريين واعتقادهم أنهم أحق بالملك منهم . وحسبك دليلا على انحراف حركة المطالبة بالنظام النيابي هذه أن كان « يفرم » ( 1 ) الأرمني من أكبر قادتها وفي رأس الموجهين لها ، ومثله الارهابي « رستم » ممثل حزب الطاشناق الأرمني أيضا ، والجاسوس الانكليزي « بانف » ( 2 ) والارهابي القفقاسي « حيدر عمو أوغلي » . و « يفرم » الأرمني هذا ظل مدة ثلاث عشرة سنة ( من قدومه إلى إيران سنة 1317 إلى مقتله سنة 1330 ) دائبا على تمكين حزب الطاشناق في إيران وصنع الأسلحة والمتفجرات سرا وتدبير أعمال الاغتيال والقتل والإرهاب . وفي سنة 1327 ، حين بدأت حركة الثورة على « محمد علي شاه » بعد ضربه المجلس النيابي سنة 1326 ، قام « يفرم » باعمال فظيعة من القتل والنهب والسلب والحريق ، بدأها من رشت . وأوقع بأهالي قزوين مذبحة

--> ( 1 ) أحد زعماء حزب الطاشناق . جاء إلى تبريز سنة 1317 بأمر من حزبه وأقام فيها ، وأسس فروعا لحزبه في نواحي مختلفة من إيران . قتل في 24 جمادى الأولى سنة 1330 وهو يقوم بإحدى المجازر التي كان يوقعها بالأبرياء . ( 2 ) « بانف » بلغاري الأصل روسي الجنسية ، عضو « الحزب الاشتراكي الدمقراطي » الروسي الثوري . وكان أيضا جاسوسا للانكليز . كان يقيم في « بطرسبورغ » . فلما بدأت حركة الثورة على « محمد علي شاه » ، بعد ضربه المجلس النيابي ، غادر « بطرسبورغ » مسرعا إلى « جيلان » ، وشارك « يفرم » في حركات الإرهاب .